قال البقاعي:
ولما افتتح التعوذ بالهمزة إشارة إلى ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت البسملة كلها للمعاد لابتدائها بحرف شفوي، وختام أول كلماتها ومآخرها بآخر إشارة إلى أن الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق غافلا عنه، وفي البرزخ حسا بالأموات، وفي الآخرة كذلك بالبعث، كما أشار إلى ذلك تكرير الميم المختتم بها في اسمها بذكرها فيه مرتين إشارة إلى المعادين الحسيين والله أعلم.
والمراد بالاسم الصفات العليا.
وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة: الباء معناها أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب،"الاسم"ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة الآذان على صورة الأفراد،"الله"اسم ما تعنو إليه القلوب عند موقف العقول فتأله فيه أي تتحير فتتألهه وتلهو به أي تغني به عن كل شيء"الرحمن"شامل الرحمة لكافة ما تناولته الربوبية،"الرحيم"خاص بالرحمة بما ترضاه الإلهية.
وقال في غريب معناها: لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها كأنها أسبابها، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله، فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه.
وقال استفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة أم القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور الأفعلال بالعناية من الحميد المجيد ويفي آية (إياك نعبد وإياك نستعين) هذا في ظاهر الخطاب إلى ما وراء ذلك من باطنه فإن لكل آية ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق في ابتداء أقوالهم وأفعالهم، هكذا قال.
وأشد منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن صدرت بها الفاتحة كما صدر القرآن بالفاتحة، لأنها لما أفادت نسبة الأمور كلها إليه سبحانه وحده أفادت أنه الإله وحده وذلك هو إجمال لتفصيل الفاتحة كما أن الفاتحة إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع والمعارف واللطائف.
ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى أوليه الرحمن من حيث إنه كالعلم في أنه لا يوصف به غيره ومن حيث إنه أبلغ من الرحيم فأولى الأبلغ الأبلغ، وذلك موافق لترتيب الوجود، الإيجاد ثم النعم العامة ثم الخاصة بالعبادة، وذكر الوصفان ترغيبا، وطويت النقمة في إفهام اختصاص الثاني لتمام الترغيب بالإشارة إلى الترهيب.
والمراد بهما هنا أنه سبحانه يستحق الاتصاف بهما لذاته، وكررهما بعده تنبيها على وجوب ذلك للربوبية والملك، وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب، وفيهما إلى ما ذكر من الترغيب الدلالة على سائر الصفات الحسنى، لأن من عمت رحمته امتنع أن يكون فيه شوب نقص وفي آخر سبحان لهذا المكان مزيد بيان، وكونها تسعة عشر حرفا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى.
ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده فكأنه قيل: احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد، وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليه والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى، والله الموفق. اهـ (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) .
قال الإمام الطبري:
إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل:"بسم الله"، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.
وذلك أن الباء من"بسم الله"مقتضية فعلا يكون لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغنت سامعَ القائل"بسم الله"معرفتُه بمراد قائله، عن إظهار قائل ذلك مُرادَه قولا إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرًا، قد أحضرَ منطقُه به - إمّا معه، وإمّا قبله بلا فصْلٍ - ما قد أغنى سامِعَه عن دلالةٍ شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح قِيلَه به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه. اهـ (جامع البيان في تأويل القرآن)
وقال المجاشعي:
قال الخليل: (بسم الله) افتتاح إيمان ويُمن، وحمد عاقبة، ورحمة وبركة وثناء وتقرب إلى الله - عز وجل -، ورغبة فيما عنده، واستعانة ومحبة له، علم الله - عز وجل - نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] ، وقال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الحاقة: 52] وقال نوح - عليه السلام: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41] ليجعلها سنة لأمته في افتتاح الذبائح والطعام والشراب والكلام، وأن يذكرونه عند كل حركة وسكون، وإذا قاله العبد يسر الله تعالى ما بين يديه من السماء إلى الأرض وثبته وحرسه من وسواس الشيطان، واعتراض المعترضين وفساد المفسدين وكيد الحاسدين، وهي تحية من الله - عز وجل - خص بها نبيه، وجعله باللسان العربي ما لم يكن لسائر الأمم، إلا ما كان من سليمان، فلما وردت على العرب اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ولفظوا بها عند وجوب الشكر وطلب الصبر.
قال غير الخليل: هو أدب من آداب الدين، ومدح لله تعالى وتعظيم وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة، واستعانة بالله - عز وجل - وعبادة له، مع ما فيه من حسن العبارة، ووضوح الدلالة، والإفصاح والبيان لما يستحقه الله من الأوصاف.
وفيه من البلاغة والاختصار، في موضعه بالحذف على شرائطه؛ إذ موضوع هذه الكلمة على كثرة التكرير، وطول الترديد، وفيه الاستغناء بالحال الدالة على العبارة عن ذكر أبدًا، لأن الحال بمنزلة الناطقة بذلك، وفيه من البلاغة تقديم الوصف بالرحمن تشبيهًا بالأسماء الأعلام. اهـ (النكت في القرآن الكريم، للمجاشعي)
(فائدة)
قال الماوردي:
قوله عز وجل: {بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} أجمعوا أنها من القرآن في سورة النمل , وإنما اختلفوا في إثباتها في فاتحة الكتاب , وفي أول كل سورة , فأثبتها الشافعي في طائفة , ونفاها أبو حنيفة في آخرين. واختُلِفَ في قوله: {بِسْمِ} : فذهب أبو عبيدة وطائفة إلى أنها صلة زائدة , وإنما هو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ , واستشهدوا بقول لبيد:
(إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُما ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ)
فذكر اسم السلام زيادة , وإنما أراد: ثم السلام عليكما.
واختلف من قال بهذا في معنى زيادته على قولين: أحدهما: لإجلال ذكره وتعظيمه , ليقع الفرق به بين ذكره وذكر غيره من المخلوقين , وهذا قول قطرب.
والثاني: ليخرج به من حكم القسم إلى قصد التبرُّك , وهذا قول الأخفش.
وذهب الجمهور إلى أن (بسم) أصل مقصود , واختلفوا في معنى دخول الباء عليه , فهل دخلت على معنى الأمر أو على معنى الخبر على قولين:
أحدهما: دخلت على معنى الأمر وتقديره: ابدؤوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهذا قول الفراء.
والثاني: على معنى الإخبار وتقديره: بدأت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهذا قولُ الزجَّاج. وحُذِفت ألف الوصل , بالإلصاق في اللفظ والخط , لكثرة الاستعمال كما حُذفت من الرحمن , ولم تحذف من الخط في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ} لقلَّة استعماله.
الاسم: كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ , والصفة كلمة تدل على الموصُوف دلالة إفادة , فإن جعلت الصفة اسمًا , دلَّت على الأمرين: على الإشارة والإفادة. وزعم قوم أن الاسم ذاتُ المسمى , واللفظ هو التسمية دون الاسم , وهذا فاسد , لأنه لو كان أسماءُ الذواتِ هي الذواتُ , لكان أسماءُ الأفعال هي الأفعال , وهذا ممتنع في الأفعال فامتنع في الذوات.
واختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين: أحدهما: أنه مشتق من السمة , وهي العلامة , لما في الاسم من تمييز المسمى , وهذا قول الفرَّاء.
والثاني: أنه مشتق من السمو , وهي الرفعة لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه من غيره , وهذا قول الخليل والزجَّاج.
وأنشد قول عمرو بن معدي كرب:
(إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْرًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ)
(وَصِلْهُ بِالدُّعَاءِ فَكُلُّ أَمْرٍ ... سَمَا لَكَ أَوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ)
وتكلف من رَاعَى معاني الحروف ببسم الله تأويلًا , أجرى عليه أحكام الحروف المعنوية , حتى صار مقصودًا عند ذكر الله في كل تسمية , ولهم فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الباء بهاؤه وبركته , وبره وبصيرته , والسين سناؤه وسموُّه وسيادته , والميم مجده ومملكته ومَنُّه , وهذا قول الكلبي.
والثاني: أن الباء بريء من الأولاد , والسين سميع الأصوات والميم مجيب الدعوات , وهذا قول سليمان بن يسار.
والثالث: أن الباء بارئ الخلق , والسين ساتر العيوب , والميم المنان , وهذا قول أبي روق.
ولو أن هذا الاستنباط يُحكَى عمَّن يُقْتدى به في علم التفسير لرغب عن ذكره , لخروجه عما اختص الله تعالى به من أسمائه , لكن قاله متبوع فذكرتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكيًا , لا محققًا ليكون الكتاب جامعًا لما قيل.
ويقال لمن قال (بسم الله) بَسْمَلَ على لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ , وقد جاءت في الشعر , قال عمر بن أبي ربيعة:
(لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا ... فَيَا حَبَّذا ذَاكَ الْحَبِيبُ المُبَسْمِلُ) .
اهـ (النكت والعيون) .
وقال السمعاني:
وَقَوله: {بِسم الله} أَصله باسم الله، كَقَوْلِه: {اقْرَأ باسم رَبك} ، وَإِنَّمَا حذف الْألف فِي الْكِتَابَة؛ لِأَنَّهُ (لَا يظْهر) فِي اللَّفْظ.
وَقيل: إِنَّمَا حذفت لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال تَخْفِيفًا؛ وَلِأَنَّهُ كثر اسْتِعْمَالهَا؛ فاستخفوا حذفهَا، بِخِلَاف قَوْله: {اقْرَأ باسم رَبك} ، ونظائره لِأَن هُنَاكَ لم يكثر الِاسْتِعْمَال.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي اشتقاق الِاسْم. قَالَ الْمبرد وَجَمَاعَة الْبَصرِيين: الِاسْم مُشْتَقّ من السمو، وَهُوَ الْعُلُوّ والظهور، فَكَأَنَّهُ ظهر على مَعْنَاهُ وَعلا عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ.
وَقَالَ ثَعْلَب من الْكُوفِيّين: هُوَ مُشْتَقّ من الوسم والسمة، فَكَأَنَّهُ عَلامَة لمعناه. وَالْأول أولى؛ لِأَن الِاسْم يصغر على الْمُسَمّى. وَلَو كَانَ مشتقا من السِّمَة، لَكَانَ يصغر على الوَسْم، كَمَا يُقَال فِي الْوَصْل: وصيل، وَفِي الْوَعْد: وَعِيد. اهـ (تفسير السمعاني) .
(فائدة)
قال الكرماني:
وقول أبي بكر الوراق: الباء من بسم الله على ستة أوجه: بارئ
خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه هو الله الخالق البارئ، ثم أخذ يعد
الوجوه، قال: والسين على خمسة أوجه: والميم على اثني عشر وجهًا.
وعد الوجوه. وهذه وأمثالها يجب الاستغفار منها، لأن هذا ربما يسوغ في المقطعة من الحروف، وأما ما ألفت وجعل اسمًا، وأفعالًا وأدوات فلا يسوغ فيها هذا بوجه من الوجوه. اهـ (غرائب التفسير وعجائب التأويل، للكرماني) .
(فائدة)
قال الراغب:
وما ذكر من الخلاف في أن (الاسم) هل هو (المسمى) أو غيره فقولان:
قالوهما بنظرين مختلفين، وكلاهما صحيح بنظر ونظر، وذاك أن من قال: الاسم الذي هو زيد أو عمرو، هو المسمى، فإنما نظر إلى نحو قولهم:"رأيت زيدًا"، و"زيد رجل فاضل"، فإن"زيدًا"- ههنا - عبارة عن المسمى، والرؤية تعلقت به.
ومن قال: هو - غير المسمى، فإنه نظر إلى نحو قولهم: سميت ابني زيدًا، و"زيد اسم حسن"، وإنما عنى: أني سميت: بهذا اللفظ الذي هو"ز ي د"وأن هذا محكوم عليه بالحسن.
فإذًا - قولك: زيد حسن لفظ مشترك يصح أن يُعنى به أن هذا اللفظ حسن، وأن يُعنى به أن المسمى به حسن، ونحو هذا الاشتباه في قولك: هذا إنسان، فإنه يستعمل على ضربين، أحدهما أن يختلف أو يشك في اسمه، فيقال: هذه إنسان أي اسمه إنسان، والثاني: أن يختلف أو يشك في جوهره، فيقال هذا إنسان أي جوهره الإنسانية، وكثير من المواضع مثل هذا يقع فيه المغالطة، وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى، لكان من قال: (النار) أحرقت فمه، فهذا تصور بعيد، فإن عاقلًا لا يقول: إن هذه الحروف التي هي"ز ي د"هو الشخص. اهـ (تفسير الراغب) .
(فائدة)
قال في التأويلات النجمية:
وأما تقدم الاسم في (بسم) فلوجوه:
منها: أن تقدم الاسم لتزكية النفوس وتصفية القلوب عن كل اسم ورسم، ولتحلية الأسرار بأنوار الله تعالى؛ لأن التحلية لا تكون إلا بعد التزكية؛ لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أي: يزكي نفسه بذكر اسم ربه ويجلي روحه بتحلية الصلاة والمناجاة مع ربه عز وجل.
ومنها: أن المحب لما تعلم اسم المحبوب نسي نفسه، كما كان حال مجنون قيل له: ما اسمك؟ قال: ليلى، وكذلك كان عصيان آدم نسيانه لما علَّمه الرب الأسماء كلها لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} نسي اسم نفسه بأنه خليفة الله تعالى، واسم إبليس بأنه عدو له، واسم الشجرة وأنه منهي عنها فاعتذر الله تعالى، فقال: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} . اهـ (التأويلات النجمية) .
(مسألة في متعلق الباء في(بِسْمِ)
قال السهيلي:
وأما ما تعلق به الباء من (بِسْمِ) فمحذوف، لا لتخفيف اللفظ كما زعموًا، إذ لو كان كذلك لجاز إظهاره وإضماره، كما يجوز في كل ما يحذف تخفيفًا، ولكن في حذفه فوائد ومعان، منها:
أنه موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ذكر الفعل - لا سيما وهو لا يستغني عن فاعله - كان ذلك مناقضا للمقصود، فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى، كما تقول في الصلاة:"الله أكبر"، ومعناه: من كل شيء، ولكن لا تقوله ليكون اللفظ في اللسان مطابقًا لمقصود الجنان، وهو أن لا يكون في قلب ذكر إلا لله وحده.
وفائدة أخرى في حذف الفعل، وهو أن إضمار الفعل وحذفه أكثر ما يكون في الأمر نحو:"إياك والطريق"، (الطريق) ونحو ذلك. والمتكلم بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هو الله سبحانه، وهو أمر عبادة بالابتداء بها في كل سورة من القرآن.
وفائدة ثالثة: وهو أنه إذا حذف الفعل صالح الابتداء في كل عمل أو شغل
فليس فعل أولى بها من فعل، فكان الحذف أعم من الذكر وأبلغ، (مع) الاستغناء عنه بالمشاهدة والله - سبحانه - أعلم. اهـ (نتائج الفكر في النَّحو، للسُّهَيلي) .
* (فوائد ولطائف)
قال الإمام الفخر:
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَذَفُوا أَلِفَ «اسْمِ» مِنْ قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَأَثْبَتُوهُ فِي قَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وَالْفَرْقُ من وجهين: الأول: أن كلمة «باسم اللَّهِ» مَذْكُورَةٌ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَفْعَالِ، فَلِأَجْلِ التَّخْفِيفِ حَذَفُوا الْأَلِفَ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّ ذِكْرَهَا قَلِيلٌ.
الثَّانِي: قَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّمَا حُذِفَتِ الْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» لِأَنَّهَا إِنَّمَا دَخَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسِّينِ السَّاكِنَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْبَاءُ عَلَى الِاسْمِ نَابَتْ عَنِ الْأَلِفِ فَسَقَطَتْ فِي الْخَطِّ، وَإِنَّمَا لَمْ تَسْقُطْ فِي قَوْلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ لِأَنَّ الْبَاءَ لَا تَنُوبُ عَنِ الْأَلِفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا فِي (بِسْمِ اللَّهِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَذْفُ الْبَاءِ مِنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى صَحِيحًا، فَإِنَّكَ لَوْ قُلْتَ اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ صَحَّ الْمَعْنَى، أَمَّا لَوْ حَذَفْتَ الْبَاءَ مِنْ «بِسْمِ اللَّهِ» لَمْ يَصِحَّ الْمَعْنَى فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَتَبُوا لَفْظَةَ اللَّهِ بِلَامَيْنِ، وَكَتَبُوا لَفْظَةَ الَّذِي بِلَامٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي اللَّفْظِ وَفِي كَثْرَةِ الدَّوَرَانِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَفِي لُزُومِ التَّعْرِيفِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» اسْمٌ معرب متصرف تَصَرُّفَ الْأَسْمَاءِ، فَأَبْقَوْا كِتَابَتَهُ عَلَى الْأَصْلِ، أَمَّا قَوْلُنَا «الَّذِي» فَهُوَ مَبْنِيٌّ لِأَجْلِ أَنَّهُ نَاقِصٌ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا مَعَ صِلَتِهِ فَهُوَ كَبَعْضِ الْكَلِمَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَةِ يَكُونُ مَبْنِيًّا، فَأَدْخَلُوا فِيهِ النُّقْصَانَ لِهَذَا السَّبَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَتَبُوا قَوْلَهُمْ: «اللَّذَانِ» بِلَامَيْنِ، لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ أَخْرَجَتْهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْحُرُوفِ، فَإِنَّ الْحَرْفَ لَا يُثَنَّى.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» لَوْ كُتِبَ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ لَالْتَبَسَ بِقَوْلِهِ إِلَهٌ، وَهَذَا الِالْتِبَاسُ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي قَوْلِنَا الَّذِي.
الثَّالِثُ: أَنَّ تَفْخِيمَ ذِكْرِ اللَّهِ فِي اللَّفْظِ وَاجِبٌ، فَكَذَا فِي الْخَطِّ، وَالْحَذْفُ يُنَافِي التَّفْخِيمَ، وَأَمَّا قَوْلُنَا: «الَّذِي» فَلَا تَفْخِيمَ لَهُ فِي الْمَعْنَى فَتَرَكُوا أَيْضًا تَفْخِيمَهُ فِي الْخَطِّ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّمَا حَذَفُوا الْأَلِفَ قَبْلَ الْهَاءِ مِنْ قَوْلِنَا: «اللَّهُ» فِي الْخَطِّ لِكَرَاهَتِهِمُ اجْتِمَاعَ الْحُرُوفِ الْمُتَشَابِهَةِ بِالصُّورَةِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ مِثْلُ كَرَاهَتِهِمُ اجْتِمَاعَ الْحُرُوفِ الْمُتَمَاثِلَةِ فِي اللَّفْظِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالُوا: الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا: «اللَّهُ» الْإِلَهُ، وَهِيَ سِتَّةُ حُرُوفٍ، فَلَمَّا أَبْدَلُوهُ بِقَوْلِهِمُ: «اللَّهُ» بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ فِي الْخَطِّ: هَمْزَةٌ، وَلَامَانِ، وَهَاءٌ، فَالْهَمْزَةُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَاللَّامُ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ، وَالْهَاءُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى حَالَةٍ عَجِيبَةٍ، فَإِنَّ أَقْصَى الْحَلْقِ مَبْدَأُ التَّلَفُّظِ بِالْحُرُوفِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّى قليلا قَلِيلًا إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى طَرَفِ اللِّسَانِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْهَاءِ الَّذِي هُوَ فِي دَاخِلِ الْحَلْقِ، وَمَحَلُّ الرُّوحِ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَبْتَدِئُ مِنْ أَوَّلِ حَالَتِهِ الَّتِي هِيَ حَالَةُ النَّكِرَةِ والجهالة، ويترقى قليلا قَلِيلًا فِي مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى آخِرِ مَرَاتِبِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ وَدَخَلَ فِي عَالَمِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْأَنْوَارِ أَخَذَ يَرْجِعُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْفَنَاءِ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ: النِّهَايَةُ رُجُوعٌ إِلَى الْبِدَايَةِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِنَّمَا جَازَ حَذْفُ الْأَلِفِ قَبْلَ النُّونِ مِنْ «الرَّحْمَنِ» فِي الْخَطِّ عَلَى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، وَلَوْ كُتِبَ بِالْأَلِفِ حَسُنَ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْيَاءِ مِنَ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ مِنَ الرَّحْمَنِ لَا يُخِلُّ بِالْكَلِمَةِ وَلَا يَحْصُلُ فِيهَا الْتِبَاسٌ، بِخِلَافِ حَذْفِ الْيَاءِ مِنَ الرَّحِيمِ. اهـ (مفاتيح الغيب) .
(لطيفة)
قال النيسابوري:
استحسن العلماء تفخيم اللام وتغليظها من لفظ «الله» بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان، والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب، وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. اهـ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان، للنيسابوري. بتصرف يسير) .