فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 180

(فائدة)

قال الراغب:

قال بعض العلماء إنما قال (بسم الله) ولم يقل (بالله) لأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم - يذكره - بقلبه، وبعضهم يزيد عليه ويقوله بلسانه ويكون أبلغ، وذكر الله مستعمل في كل ذلك، وألفاظ الاستعانة نحو"أستعين بالله"و"اللهم أعني"ونحو ذلك كثير، فصار لفظة (بسم الله) مستغنى به عن جميعها وقائماُ مقامها، ولو قال (بالله) لكان يقتضي الاستعانة بهذه اللفظة فقط. اهـ (تفسير الراغب الأصفهاني) .

وقال أبو السعود:

وإنما لم يقل باللَّهِ للفرق بين اليمين والتيمُّن، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة هاهنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى، وحقيقتها طلبُ المعونة على إيقاع الفعل وإحداثه أي إفاضةُ القدرةِ المفسرةِ عند الأصوليين من أصحابنا بما يتمكن به العبدُ من أداء ما لزِمه المنقسمةِ إلى ممكِنة وميسِّرة، وهي المطلوبة بـ (إياك نستعين) ، وتارة أخرى باسمه عز وعلا، وحقيقتها طلبُ المعونة في كون الفعل معتدًا به شرعًا، فإنه ما لم يُصَدَّر باسمهِ تعالى يكون بمنزلةِ المعدوم، ولما كانت كل واحدة من الاستعانتين واقعةً وجب تعيينُ المراد بذكر الاسم، وإلا فالمتبادَرُ من قولنا (بالله) عند الإطلاق لا سيما عند الوصف بالرحمن الرحيم هي الاستعانة الأولى. اهـ (تفسير أبي السعود) .

وقال الخطيب الشربيني:

قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ} أي: الملك الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه، {الرَّحْمنِ} أي: الذي عمّ بنعمتَي إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله وأعلاه أدناه وأقصاه {الرَّحِيمِ} أي: الذي خص من بينهم أهل ودّه برضاه، آية من الفاتحة وعليه قرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك والشافعيّ وقيل: ليست منها وعليه قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤهما والأوزاعيّ ومالك. ويدلّ للأوّل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم «عدّ الفاتحة سبع آيات وعدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية منها» ، رواه البخاري في «تاريخه» ، وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إنها أمّ القرآن وأمّ الكتاب والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إحدى آياتها» وروى ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عدّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إلى آخرها ست آيات» وآية من كل سورة إلا براءة لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور سوى براءة مع المبالغة في تجريد القرآن عن الأعشار وتراجم السور والتعوّذ حتى لم تكتب آمين فلو لم تكن قرآنًا لما أجازوا ذلك لأنه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنًا وأيضًا هي آية من القرآن في سورة النمل قطعًا، ثم إنا نراها مكرّرة بخط القرآن فوجب أن تكون منه كما أنَّا لما رأينا قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} مكرّرًا في القرآن بخط واحد وبصورة واحدة، قلنا: إن الكل من القرآن.

* فإن قيل: لعلها ثبتت للفصل؟

أجيب: بأنه يلزم عليه اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنًا ولثبتت في أوّل براءة ولم تثبت في أوّل الفاتحة.

* فإن قيل: القرآن إنما يثبت بالتواتر؟

أجيب: بأنَّ محله فيما ثبت قرآنًا قطعًا، أمّا ما يثبت قرآنًا حكمًا فيكفي فيه الظنّ كما يكفي في كل ظنّي خلافًا للقاضي أبي بكر الباقلاني، وأيضًا إثباتها في المصحف بخطه من غير نكير في معنى التواتر، وأيضًا قد يثبت التواتر عند قوم دون آخرين.

* فإن قلت: لو كانت قرآنًا لكفر جاحدها؟

أجيب: بأنها لو لم تكن قرآنًا لكفر مثبتها وأيضًا التكفير لا يكون بالظنيات وقد أوضحت ذلك مع زيادة في شرحي «التنبيه» و «المنهاج» ، أما براءة فليست البسملة آية منها بإجماع.

والباء في بسم الله متعلقة بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ لأنّ الذي يتلوه مقروء؛ إذ كل فاعل يبدأ في فعله باسم الله يضمر ما يجعل التسمية مبدأ له، كما أنَّ المسافر إذا حلَّ أو ارتحل فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كان المعنى بسم الله أحل، بسم الله أرتحل، وذلك أولى من أن يضمر (أبدأ) لعدم ما يطابقه، وما يدل عليه ومن أن يضمر (ابتدائي) لما ذكرنا.

* فإن قيل: المصدر لا يعمل محذوفًا؟

أجيب: بأنه يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما وتقديره مؤخرًا كما قال الإمام الرازي أولى كما في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

لأنه أهمّ وأدلّ على الاختصاص وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود فإنّ اسمه تعالى مقدّم ذاتًا لأنه قديم واجب الوجود لذاته فقدم ذكرًا. اهـ (السراج المنير) .

(فائدة لغوية)

قال ابن عاشور:

الْبَسْمَلَةُ اسْمٌ لِكَلِمَةِ بَاسِمِ اللَّهِ، صِيغَ هَذَا الِاسْمُ عَلَى مَادَّةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ حُرُوفِ الْكَلِمَتَيْنِ بَاسْمِ وَالله عَلَى طَرِيقَةٍ تُسَمَّى النَّحْتُ، وَهُوَ صَوْغُ فِعْلِ مُضِيٍّ عَلَى زِنَةِ فَعْلَلَ مُؤَلَّفَةٍ مَادَّتُهُ مِنْ حُرُوفِ جُمْلَةٍ أَوْ حُرُوفِ مُرَكَّبٍ إِضَافِيٍّ، مِمَّا يَنْطِقُ بِهِ النَّاسُ اخْتِصَارًا عَنْ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ كُلِّهَا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِ ذَلِكَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ.

فَأَصْلُ بَسْمَلَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ أَطْلَقَهُ الْمُوَلَّدُونَ عَلَى قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اكْتِفَاءً وَاعْتِمَادًا عَلَى الشُّهْرَةِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَنْحُوتُ خَلِيًّا مِنَ الْحَاءِ وَالرَّاءِ اللَّذَيْنِ هُمَا من حُرُوف الرحمان الرَّحِيمِ، وَرَأَيْتُ فِي «شَرْحِ ابْنِ هَارُونَ التُّونُسِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ» فِي بَابِ الْأَذَانِ عَنِ الْمُطَرِّزِ فِي كِتَابِ «الْيَوَاقِيتِ» : الْأَفْعَالُ الَّتِي نُحِتَتْ مِنْ أَسْمَائِهَا سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ فِي بِسْمِ اللَّهِ، وَسَبْحَلَ فِي سُبْحَانَ اللَّهِ، وَحَيْعَلَ فِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَحَوْقَلَ فِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَحَمْدَلَ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَهَلَّلَ فِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَجَيْعَلَ إِذَا قَالَ: جُعِلْتُ فدَاك، وَزَاد الطّبقلة فِي أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَالدَّمْعَزَةَ فِي أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ. اهـ (التحرير والتنوير) .

(لطيفة)

يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل له: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيرًا كثيرًا، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ. اهـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي)

(تنبيه)

ذكر ابن كثير:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عِيسَى ابن مريم عليه السلام أسلمته أمه إلى الكتّاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب فقال: ما أكتب؟ قال:

بسم الله، قال له عيسى: وما بسم اللَّهِ؟ قَالَ الْمُعَلِّمُ: مَا أَدْرِي، قَالَ لَهُ عِيسَى: الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ، وَالسِّينُ سَنَاؤُهُ، وَالْمِيمُ مَمْلَكَتُهُ، وَاللَّهُ إِلَهُ الْآلِهَةِ، وَالرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ» وَهَذَا غَرِيبٌ جَدًّا، وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا إِلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقد يكون مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لَا مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ (تفسير ابن كثير، باختصار) .

يقول العاجز الفقير: وقد ذكر الثعلبي هذه الرواية في تفسيره (الكشف والبيان) وعلق عليها ابن المظفر الرازي بقوله:

إن صح الحديث فلا يُعتَرَض عليه، ولكن دليل أنه غير ثابت وجوه:

الأول: أنه صح أن عيسى كان في بطن أمه يحفظ التوراة والإنجيل وكان يقرؤها وهو في بطنها بحيث يُسمع أمه فكيف أرسلتْه إلى الكُتَّاب ليتعلم وهي تعلم من حاله ذلك، والدليل على ذلك أنه حين تكلم وهو طفل رضيع قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} .

والثاني: أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إنما قُرِئت وكتِبت بعد نزولها على نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وقبل ذلك كانوا يكتبون باسمك اللهم.

والثالث: أن معلم عيسى، وعيسى كانوا يقرؤون بالسّريانية لا بالعربية وهذا عربي.

والرابع: كيف قال عيسى: الباء بهاء الله والسين سناء الله، والباء حرف زائد والسين حرف أصلي، وعلى تقدير أن تكون التسمية في الإنجيل تكون بالسريانية لا بالعربية. فلا تكون بهذه الصيغة وهذه الحروف فلا يتصور أن يقال ذلك في تفسيره.

ثم فسر {بسم الله} بالملك والمجيد وهذا بعيد جدًا؛ لأن الباء حرف زائد والسين والميم أصليان فكيف يسوي بين الكل؟ ثم إنا نعلم يقينًا أن الباء ههنا للإلصاق والابتداء ألحقوها بالاسم، وهما حرف واسم مركبان لمعنى معلوم مشهور لا يُفهم غير ذلك المعنى، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير الألفاظ عن معانيها الموضوعة لها لغة، وتحريف الكَلِم عن مواضعها وذلك غير جائز. اهـ (مباحث التفسير، لابن المظفَّر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت