قال الزركشي:
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ: لَا يَجُوزُ تَعَارُضُ آيِ الْقُرْآنِ وَالْآثَارِ وَمَا تُوجِبُهُ أَدِلَّةُ الْعَقْلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الله خالق كل شيء} معارضا لقوله: {وتخلقون إفكا} وقوله: {وإذ تخلق من الطين} وقوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ لَا خَالِقَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ مَا عَارَضَهُ فَيُؤَوَّلُ قوله: {وتخلقون} بِمَعْنَى تَكْذِبُونَ لِأَنَّ الْإِفْكَ نَوْعٌ مِنَ الْكَذِبِ وقوله: {وإذ تخلق من الطين} أَيْ تُصَوِّرُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَنَّ اللَّهَ بكل شيء عليم} لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ: {أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يعلم} فإن المراد بهذا مالا يَعْلَمُهُ أَنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ وَيُعْلِمُونَهُ وُقُوعَ مَا لَيْسَ بِوَاقِعٍ لَا عَلَى أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ مَا هُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ وَإِنْ عَلِمْتُمُوهُ
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ جَعْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الله لا يخفى عليه شيء} مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} وقوله: {إلى ربها ناظرة} معارضا لقوله: {لا تدركه الأبصار} فِي تَجْوِيزِ الرُّؤْيَةِ وَإِحَالَتِهَا لأن دليل العقل يقضي بالجواز ويجوز تخليص النَّفْيِ بِالدُّنْيَا وَالْإِثْبَاتِ بِالْقِيَامَةِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ جعل قوله: {وما مسنا من لغوب} معارضا لقوله: {وهو أهون عليه} بَلْ يَجِبُ تَأْوِيلُ أَهْوَنُ عَلَى هَيِّنٌ وَلَا جَعْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ الله إلا الذين كفروا} مُعَارِضًا لِأَمْرِهِ نَبِيَّهُ وَأُمَّتَهُ بِالْجِدَالِ فِي قَوْلِهِ: {وجادلهم بالتي هي أحسن} فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى ذَمِّ الْجِدَالِ الْبَاطِلِ وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ قَوْلِهِ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} معارضا لقوله: {كل من عليها فان} .
(فائدة في القول في الاختلاف والتناقض)
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ رِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ: جِمَاعُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ صَحَّ أَنْ يُضَافَ بَعْضُ مَا وَقَعَ الِاسْمُ عَلَيْهِ إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ فِي اللَّفْظِ مَا ضَادَّهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَسْمَاءُ وَلَنْ يُوجَدَ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِيهِ النَّسْخُ فِي وَقْتَيْنِ بِأَنْ يُوجِبَ حُكْمًا ثم يحله وَهَذَا لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَتَنَاقُضُ الْكَلَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي إِثْبَاتِ مَا نُفِيَ أَوْ نَفْيِ مَا أُثْبِتَ بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ الْمُثْبَتُ وَالْمَنْفِيُّ فِي الِاسْمِ وَالْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَالْأَفْعَالِ وَالْحَقِيقَةِ فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا وَفِي الْآخَرِ مُسْتَعَارًا وَنُفِيَ أَحَدُهُمَا وَأُثْبِتَ الْآخَرُ لَمْ يُعَدَّ تَنَاقُضًا هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا الْمَعَانِي وَهُوَ بَابُ الْقِيَاسِ فَكُلُّ مَنْ أَوْجَدَ عِلَّةً وحررها وَأَوْجَبَ بِهَا حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ ثُمَّ ادَّعَى تِلْكَ الْعِلَّةَ بِعَيْنِهَا فِيمَا يَأْبَاهُ الْحُكْمُ فَقَدْ تَنَاقَضَ فَإِنْ رَامَ الْفَرْقَ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي فَرْقِهِ تَنَاقُضٌ وَالزِّيَادَةُ فِي الْعِلَّةِ نَقْصٌ أَوْ تَقْصِيرٌ عَنْ تَحْرِيرِهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى السَّائِلِ
وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ يُسْأَلُ عَنْهَا فَلَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنْ يُسْأَلَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَوْ لَا، فَأَمَّا الْمُسْتَحِقُّ لِلْجَوَابِ فَهُوَ مَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ وَيَجُوزُ وَأَمَّا مَا اسْتَحَالَ كَوْنُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ فَسَأَلَ هَلْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ قَائِمًا مُنْتَصِبًا جَالِسًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ أَحَالَ وَسَأَلَ عَنْ مُحَالٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ فَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ عُرِّفَ فَإِذَا عَرَفَهُ فَقَدِ اسْتَحَالَ عِنْدَهُ مَا سَأَلَهُ قَالَ وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِمَّا يَتَعَاطَى الْعِلْمَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُحَالِ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مُحَالٌ وَيُجَابُ عَنْهُ وَالْآفَاتُ تَدْخُلُ عَلَى هَؤُلَاءِ لِقِلَّةِ علمهم بحق الكلام. اهـ (البرهان في علوم القرآن، للزركشي) .