فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 180

فوائد في الاستعاذة

قال ابن جُزي:

الكلام على الاستعاذة في عشرة فوائد من فنون مختلفة

الأولى: لفظ التعوّذ على خمسة أوجه:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمختار عند القراء. وأعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله القويّ من الشيطان الغويّ.

أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد. وهي محدثة:

وأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وهو مرويّ عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

الثانية: يؤمر القارئ بالاستعاذة قبل القراءة سواء ابتدأ بأول سورة أو جزء سورة على الندب

الثالثة: يجهر بالاستعاذة عند الجمهور وهو المختار. وروي الإخفاء عن حمزة ونافع.

الرابعة لا يتعوّذ في الصلاة عند مالك. ويتعوّذ في أوّل ركعة عند الشافعي وأبي حنيفة. وفي كل ركعة عند قوم. فحجة مالك عمل أهل المدينة وحجة قول غيره: قول الله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98] وذلك يعم الصلاة وغيرها.

الخامسة: إنما جاء أعوذ بالمضارع دون الماضي لأنّ معنى الاستعاذة لا يتعلق إلّا بالمستقبل لأنها كالدعاء وإنما جاء بهمزة المتكلم وحده مشاكلة للأمر به في قوله: «فاستعذ» .

السادسة: الشيطان: يحتمل أن يراد به الجنس فتكون الاستعاذة من جميع الشياطين، أو العهد فتكون الاستعاذة من إبليس. وهو من شطن إذا بعد فالنون أصلية والياء زائدة. وزنه فيعال. وقيل من شاط إذا هاج فالنون زائدة. والياء أصلية ووزنه فعلان. وإن سميت به لم ينصرف على الثاني لزيادة الألف والنون، وانصرف على الأوّل.

السابعة: الرجيم فعيل بمعنى مفعول، ويحتمل معنيين: أن يكون بمعنى لعين وطريد. وهذا يناسب إبليس لقوله وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ [الملك: 5] والأوّل أظهر.

الثامنة: من استعاذ بالله صادقا أعاذه فعليك بالصدق ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذرّيتها عصمها الله. ففي الحديث الصحيح أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «ما من مولود إلّا نخسه الشيطان فيستهل صارخا إلّا ابن مريم وأمه» .

التاسعة: الشيطان عدوّ. وحذر الله منه إذ لا مطمع في زوال علة عداوته. وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم. فيأمره أوّلا بالكفر ويشككه في الإيمان فإن قدر عليه وإلّا أمره بالمعاصي. فإن أطاعه وإلّا ثبطه عن الطاعة. فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعُجْب.

العاشرة القواطع عن الله أربعة: الشيطان، والنفس، والدنيا، والخلق. فعلاج الشيطان: الاستعاذة والمخالفة له، وعلاج النفس: بالقهر، وعلاج الدنيا: بالزهد، وعلاج الخلق: بالانقباض والعزلة. ا هـ (التسهيل لعلوم التنزيل)

وقال الإمام الفخر الرازي:

إنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) [النَّحْلِ: 98] وَقَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان: 6] وَفِي سُورَةٍ ثَالِثَةٍ(إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الْأَعْرَافِ: 200] فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاجِبٌ أَنْ يَقُولَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا النَّظْمَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وَمُوَافِقٌ أَيْضًا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا جَمْعٌ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ.

وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاسْتِعَاذَةُ تُطَهِّرُ الْقَلْبَ عَنْ كُلِّ مَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي اللَّهِ، وَالتَّسْمِيَةُ تُوَجِّهُ الْقَلْبَ إلى هيبة جلال الله والله الهادي. اهـ (مفاتيح الغيب)

وقال الثعالبي:

وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، وأما المقرءون، فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله، وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: أعوذ بالله المجيد من الشّيطان المريد، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا أَقُولُ فِيهِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ، وَلَا أَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ. ا هـ (الجواهر الحسان في تفسير القرآن)

(فائدة)

قال أبو العباس البسيلي: قُدِّمت عَلَى البسْمَلَةِ لتَكونَ تَطْهِيرًا للْقَلْبِ واللِّسانِ مِنْ ذِكْرِ غير اللهِ تَعَالَى، ليَصْلُحَ لذكْرِ اسمِ اللَّهِ. ولأَن دفعَ المؤلم آكدُ مِنْ جَلْبِ الْمُلائِمِ (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .

فإنْ قُلتَ: لم تَرَكَ تقديمَ المستَعَاذِ بِهِ ليُفيدَ الحصْرَ معَ تقديمِ اسْمِ اللَّهِ؟.

قلتُ: لِمَا قُلناهُ مِنْ أن تقديمَ الاسْتِعَاذَةِ للتطهُّرِ قبلَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ.

ولفْظُ أَعُوذُ خبر في معنى الدعاء، أي: اللهم أعذني. وعبر بالمضارع المقتضي للتجدد، لتكرر وسوسة الشيطان للإنسان مدة حياته.

وانظر هل تكون الاستعاذة في الجنة أو لا؟؛ والأول أظهر، لما ورد من أن أهل الجنة يقرؤون القرآن، وفيه (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . ا هـ (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت