(فائدة)
قال ابن عطية في تفسيره: والمكتوبة التي لفظها (الله) أبهر أسماء الله تعالى وأكثرها استعمالا، وهو المتقدم لسائرها في الأغلب، وإنما تجيء الأُخَر أوصافًا اهـ (المحرر الوجيز لابن عطية)
لطيفة
قال الخازن: وقيل الباء حرف منخفض الصورة فلما اتصل باسم الله ارتفع واستعلى. اهـ
قال البسيلي نقلا عن الإمام فخر الدين الرازي:
قيل: كلُّ العلوم في الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، والجميع في الفرقان، وذلك كله في سورة الفاتحة منه، وعلومها كلها في البسملة، وجميع ذلك كله في حرف الباء من (بسم اللَّه) .
وبيان ذلك: أن المقصود من جميع العلوم، إنما هو الوصول إلى اللَّه تعالى، وهذا هو معنى الباء؛ لدلالتها على الإلصاق، فتضمحل عندها جميع العبارات، وتتلاشى بحقيقتها جميع الإشارات. اهـ (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد للبسيلي)
(فائدة لغوية)
ذكر أبو حيان الأندلسي - رحمه الله - في تفسيره ما نصه:
بَاءُ الْجَرِّ تَأْتِي لِمَعَانٍ: لِلْإِلْصَاقِ، وَالِاسْتِعَانَةِ، وَالْقَسَمِ، وَالسَّبَبِ، وَالْحَالِ، وَالظَّرْفِيَّةِ، وَالنَّقْلِ. فَالْإِلْصَاقُ: حَقِيقَةً مَسَحْتُ بِرَأْسِي، وَمَجَازًا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ. وَالِاسْتِعَانَةُ: ذَبَحْتُ بِالسِّكِّينِ. وَالسَّبَبُ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا. وَالْقَسَمُ: بِاللَّهِ لَقَدْ قَامَ. وَالْحَالُ: جَاءَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ. وَالظَّرْفِيَّةُ: زَيْدٌ بِالْبَصْرَةِ. وَالنَّقْلُ: قُمْتُ بِزَيْدٍ. وَتَأْتِي زَائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ: شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ. وَالْبَدَلُ: فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا أَيْ بَدَلَهُمْ.
وَالْمُقَابَلَةُ: اشْتَرَيْتُ الْفَرَسَ بِأَلْفٍ. وَالْمُجَاوَزَةُ: تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ أَيْ عَنِ الْغَمَامِ.
وَالِاسْتِعْلَاءُ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ. وَكَنَّى بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَالِ بِالْمُصَاحَبَةِ، وَزَادَ فِيهَا كَوْنَهَا لِلتَّعْلِيلِ. وَكَنَّى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالسَّبَبِ، وَعَنِ الْحَالِ، بِمَعْنَى مَعَ، بِمُوَافَقَةِ مَعْنَى اللَّامِ. اهـ (البحر المحيط لأبي حيان)
قال القرطبي:
قال بعض العلماء: إن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تضمّنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات؛ وهذا صحيح.
الثانية: قال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلى رجل يكتب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال له: جوّدها فإن رجلًا جوّدها فغفر له.
قال سعيد: وبلغني أن رجلًا نظر إلى قرطاس فيه"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"فقبّله ووضعه على عينيه فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بِشْرٍ الحافِي، فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طُيّب اسمه، ذكره القشيري.
وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:"إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تَعِس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوّته صنعته ولكن قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب".
وقال عليّ بن الحسين فِي تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} قال معناه: إذا قلت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللَّه بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جُنّة من كل واحد.
فالبسملة تسعة عشر حرفًا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} وهم يقولون فِي كل أفعالهم: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فمن هناك هي قوّتهم، وببسم الله استضلعوا. اهـ (تفسير القرطبي)
قال ابن عطية: ونظير هذا قولهم فِي ليلة القدر: إنها ليلة سبع وعشرين، مراعاة للفظة"هي"من كلمات سورة {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ، ونظيره أيضًا قولهم فِي عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فإنها بضعة وثلاثون حرفًا؛ فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «لقد رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» .
قال ابن عطية: وهذا من مُلَح التفسير، وليس من متين العلم. اهـ (المحرر الوجيز)