وبالجملة هذه الأخبار لا تعرف صحتها على ما يجب، ولكن الإشكال في عموم كتاب الله تعالى، ويقابله أن عموم كتاب الله اتفق الأئمة على تطرق التخصيص إليه في غير الطافي من ميتات السمك. فلم يبق وجه العموم معمولًا به في الطافي. وروى أصحابنا عن سعيد بن بشير عن أبي
عياش عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كل مما طفا على البحر ) )وأبان بن أبي عياش ليس هو ممن يثبت ذلك بروايته. وقال شعبة: لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أن أروي عن أبان بن عياش شيئًا.
واختلف الذين ذهبوا إلى أكل ما مات من دواب البحر بغير سبب في حيوان البحر إذا كانت له حياة في البر كالضفادع، والسلحفاة، ففي المذاهب ثلاثة أقوال: أحدها أنه يؤكل بغير ذكاة فهو ميتة، وأنه مخصوص من عموم الآية وهو المشهور، وقيل: لا يؤكل إلا بذكاة وما مات منه بغير ذكاة فهو ميتة، داخل تحت عموم الآية، وقيل: ما كان مأواه البر فإنه لا يؤكل إلا بذكاة وإن كان يعيش في الماء. واختلف في كل حيوان بري ليست له نفس سائلة هل يؤكل بغير ذكاة أم لا؟ وذلك مثل الخنفساء، والزنبور، والذر، والحلم، والذباب، والسوس، والدود، والبعوض، والحلزون. ففي المذهب قولان:
أحدهما: الجواز وهو مذهب عبد الوهاب، لأن التحريم ورد فيما كانوا يذبحون ويأكلون من الأنعام دون هذه الأشياء، ويؤيد ذلك قوله -عليه السلام-: (( إذ وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء ) )أخرجه البخاري. وفي حديث آخر أنه
(( يبدأ بالذي فيه الداء ) ). ولو كان مما يحتاج إلى ذكاة لم يأمر بذلك.
وكذلك اختلف فيما مات من الجراد بغير سبب. فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يؤكل. وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم، ومطرف، وابن نافع.
وذهب مالك وأكثر أصحابه إلى أنه لا يؤكل وحجتهم عموم الآية في التحريم. وحجة الجواز ما جاء من قوله -عليه السلام-: (( أحلت لنا ميتتان ) )الحديث. وخصصوا به عموم الآية. قال اللخمي: ولا وجه للاحتجاج بأنه نثرة حوت لوجهين: أحدهما: لا يعرف إلا من قول كعب الأحبار يخبر عما في كتبهم، ولا خلاف أنه لا يجب العمل بمثل هذا ولا تعبدنا بمثله.