سبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا يقبل فيه الشفاعات {لا تجزي نفس عن نفس شيئًا} وهذه الآية مما يحتج به المعتزلة في إبطال الشفاعة وبقوله تعالى بعدها: {ولا تنفعها شفاعة} وبقوله تعالى: {فما لهم من شافعين} ونحو ذلك، ولا حجة في الآية لأنها محتملة أن تكون في الكافرين خاصة، وحقق هذا الاحتمال وصححه حتى لا يجوز غيره متواتر الأحاديث في مسلم والبخاري وغيرهما بالشفاعة في المؤمنين.
(59) - وقوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] .
يدل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها. ويؤخذ من هذا أنه لا تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الألسن خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك نقل حديث الرسول -عليه السلام- بالمعنى يمكن أن يتعلق في المنع منه بهذه الآية. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( رحم الله امرءًا سمع مقالتي هذه فأداها كما سمعها ) ).
(62) - قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى} الآية [البقرة: 62] .
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة. وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنها نزلت في أول الإسلام وقرر الله بها أن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بقي على
يهوديته ونصرانيته وصابيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر [من جميعهم] فله أجره ثم نسخ ما قرر من ذلك بقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا لن يقبل منه} الآية: [آل عمران: 85] وردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. وذهب بعضهمم إلى أنها غير منسوخة واختلفوا في تأويلها، فقال سفيان الثوري: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم وقرنهم باليهود والنصارى والصابئين. ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله تعالى من آمن في المؤمنين المذكورين من دخل في الإيمان وقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقًا بمحمد صلى الله عليه وسلم.