المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها [1] .
وفي السيرة النبوية في - المرحلة المكية- كان اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتركيزه على الدعوة إلى عقيدة التوحيد وإخلاص العبادة لله ونبذ عبادة غيره من الأصنام والأوثان دون الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، أو شغل المسلم بالأحكام والمسائل الجزئية.
وفي هذا المعنى يقول الدكتور يوسف القرضاوي: في العهد المكي كانت مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - محصورة في الدعوة إلى الله، وتربية الجيل المؤمن الذي يحمل هذه الدعوة بعد ذلك إلى العرب، ثم ينطلق بها إلى العالم كله، وكان تركيزه على أصول العقيدة، وترسيخ التوحيد وعبادة الله وحده ونبذ الشرك واجتناب الطاغوت، والتحلي بالفضائل ومكارم الأخلاق، وكان القرآن الكريم في تلك المرحلة يزكي هذا الاتجاه، فلم يُشغل المسلمون في هذه الآونة بالمسائل الجزئية، ولا بالأحكام الفرعية بل ببناء الإنسان الذي تحدثت سورة العصر عنه (إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [2] .
لم يشرع للمسلمين أن يحملوا فؤوسهم ليحطموا الأصنام وهم يرونها كل يوم حول الكعبة، ولم يأذن لهم أن يشهروا سيوفهم دفاعًا عن أنفسهم، ومقاومة لعدو الله وعدوهم الذي يسومهم العذاب بل كان يقول لهم ما ذكره القرآن أن (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ) [3] .
وإن كانوا يأتون إلى رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ما بين مشجوج ومجروح، إن كل شيء له أوانه المناسب وإذا استُعجل بالشيء قبل أوانه فالغالب أن يضر ولا ينفع [4] .
ومن فقه سيدنا عمر بن الخطاب أنه كره التزوج بالكتابيات ومنعه لئلا يكسد حال المسلمات في الزواج، ولئلا تكون الكتابيات فتنة على أولاد المسلمين، فوازن بين المصالح الخاصة والعامة، حيث قدم العامة على الخاصة.
(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية 1/ 112.
(2) - سورة العصر 3.
(3) - سورة النساء: 77.
(4) - الصحوة الإسلامية بين التطرف والجمود د. يوسف القرضاوي 144.