في مجالات لا يملك فيها العقل وسيلة تؤدي به إلى المعرفة، ومع ذلك قدم ما يُكلف به من حيث الإيمان والعلم بهذه الغيبيات، وأقام له الأدلة العقلية عليها احترامًا للعقل، لأن مفهوم العلم في الإسلام لا يتحقق إلا بالبرهان، وفيما عدا حقيقة ذات الله. وحقيقة الغيبيات فإن مسئولية العقل شاملة كل ما من شأنه أن يعلم، ولا بد أن يعلم بالبرهان.
ودور العقل: هو القيام بالنظر، وتحصيل البرهان، ولا بد أن يكون الخطاب مستقى من البرهان،
وقائمًا عليه، ومشمولًا به، وإلا كان الخطاب خرصًا أو تخمينًا، أو رجمًا بالغيب في متاهات
الظنون" [1] ."
ومن دور العقل الذي يجب إعماله في الخطاب الديني أيضًا شرح وتأويل النصوص بما يتناسب مع
معطيات العصر حتى لا تطغى الموروثات الشعبية على النصوص، فتوجهها إلى مساندة الخرافات في السلوك الاجتماعي، وتمكين المفاهيم اللامعقولة في فكر المؤمنين فتغيب عقولهم في بحور من الأوهام. وهناك مجال أوسع وأرحب لإعمال العقل، وإبراز دوره، وهو"ما لم يرد فيه نص ديني من الكتاب أو السنة فدور العقل هنا الاجتهاد في إطار الروح العامة للتشريع، مع مراعاته للأزمنة والأمكنة وما يجري في دنيا الناس [2] ."
ومن دور العقل في الخطاب الديني - أيضًا - مراعاته للتوازن بين متطلبات الحياة المادية والروحية التي جاء بها الوحي، حتى لا تطغى مطالب الروح على الجسد والعكس، فيكون التفريط في عمارة الكون، والعزلة عن الحياة العامة، والإقامة في المساجد ليلًا ونهارًا، وإهمال الحقوق الأسرية، والتفريط في حقوق الوطن في العمل والإنتاج، أو إهمال مطالب الروح والانغماس في الحياة المادية فيكون الجفاء الروحي سببًا من أسباب الشقاء في الدنيا قبل الآخرة.
(1) - دور العقل في الخطاب الديني د. عبد المعطي بيومي 12.
(2) - أصول الفقه، نشأته وتطوره ومدارسه والدعوة الى التجديد، د. شعبان محمد اسماعيل 54.