عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [1] .
فمجمل القول في ذلك أن الدين في دعوته راعي واقع المجتمعات، والفطرة بطبيعتها تتلاءم مع الواقعية إذ إنها - أي الفطرة - من الدين.
المبحث الرابع
حرية التعبير
حرية الخطاب الديني في التعبير هي: حرية الدعاة في التعبير عن الفكر الديني الصحيح، والمبادئ الإسلامية الأصيلة، حتى لو صادمت ما عليه الأمراء والسلاطين فإن هذا اللون من الخطاب يكرهه الطغاة والمستبدون.
فهي: حرية النقد البنّاء، وتقديم النصح والتقويم لفئات المجتمع كله، وحرية المجادلة بالتي هي أحسن. وحرية الخطاب الديني في التعبير ليست من الأساليب المسنونة أو المستحبة بل هي من الأساليب الحتمية اللازمة التي يجب صونها والدفاع عنها، فهي فرض على الدعاة والمتحدثين باسم الإسلام ألا يدعوا الخطأ يمر وهم صامتون، فيميتوا الحق، ويحيوا الباطل، وحرية الخطاب الديني التي ينشدها الدعاة والمصلحون، تقوم في الإسلام على أساس مهم نابع من اليقين بالله وأنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء ورازقه، وأنه المحيي والمميت بيده الخلق والأمر وحده.
وبقدر وجود الإيمان بهذه الحقيقة تستيقظ حرية الخطاب الديني وبقدر إخلاص هذه العبودية لله يتحرر المرء من عبوديته لغيره وعلى قدر ضعف هذه الحقيقة -الإيمان واليقين بالله - تذبل حرية الخطاب الديني، فيحيا الخوف، والخائف تموت بذور الحرية عنده وينطفئ نور العلم لديه.
فعلاقة حرية الخطاب بالإيمان واليقين بالله علاقة تلازم يترتب عليها ألا يوجد أحدهما بدون الآخر، وإذا وجد الإيمان بدون الحرية فإنما هو إيمان ضعيف. فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما"
(1) - سورة القصص: 4.