الصفحة 18 من 26

على بعض بلدانه من احتلال وغزو، واعتداءات وحشية ألمت بأهله، وإساءة للمصحف تارة وإساءة لنبي الإسلام تارة أخرى.

لذا كان من الأهمية اللازمة لتجديد الخطاب الإسلامي مراعاته لواقع الحياة، ودعوة الإسلام بما اشتملت عليه من تشريعات وحدود وأخلاق تحوي العلاج النافع لأمراض المجتمعات والأمم على مدى العصور والأزمان.

غير أن الفتوى ـ خاصة ـ وهي جزء أساسي لا يتجزأ من الخطاب الإسلامي، لا بد قبل إصدارها من دراسة وتحليل الواقع، والأحوال التي تطرأ على الفرد والمجتمع، وكذا دراسة الآثار المترتبة على الإفتاء أو القضاء برأي معين، إذ قد أصبح الواقع معقدًا تعقيدًا شديدًا، فلا بد من دراسته دراسة متأنية تقدر فيها المصالح والمفاسد، بل لا بد من الاستعانة قبل صدور الفتوى بأهل الخبرة في علوم الاجتماع والإحصاء والسياسة والاقتصاد، لدراسة وتحليل أنواع المعاملات التي ظهرت حديثًا، وكذا أنماط السلوك والتصرفات الإنسانية، وإذا تحقق هذا الأمر دراسة الواقع دراسة صحيحة، بجانب دراسة التشريع الإسلامي، أصوله وأحكامه- أصبحت الفتوى - وهي جزء أصيل من الخطاب الديني ـ فتوى صائبة لأنها حققت التلاؤم بين التشريع والواقع، والخطاب الإسلامي في فتواه، وفي كل ما يستنبطه المجتهدون تحت ظلال الشريعة يتوجه إلى سعادة الإنسان، ودفع الأذى والضرر عنه، فحيثما وجدت منفعة الإنسان ومصلحته فالإسلام يوجب ذلك ويحث عليه، وحيثما وجد الضرر والأذى فالإسلام يحرم ذلك ويمنعه.

ومن خلال ما سبق يتضح أن الأساليب المتبعة من بعض المتحدثين باسم الإسلام، باستدعاء الخطابات الإسلامية الجاهزة، وكذا الفتوى من تراث العصور الماضية دون النظرة التحليلية للواقع المعاصر، إنما هي أساليب تضر بالأمة أكثر مما تفيد لأنها لا تتطابق مع حاجات العصر، وتتخذ من خطابات السابقين ما يشبه المنهج الثابت في علاج قضايا العصر.

فالطبيعة التي خلق الإنسان وجبل عليها: هي الدين القيم، وهذه الطبيعة كما نعلم من صنع الله عز وجل، كما قال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [1] .

(1) - سورة الروم: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت