بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعُرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس وخداعهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله. فبدون معرفة الداعية بواقع الناس ومشكلاتهم يعيش في واد والناس في واد آخر فلا تأثير لبيانه ولا جدوى من خطابه، وكذلك المفتي إذا لم يكن بصيرًا بالواقع وعارفًا بمشكلات الناس وحياتهم تكون فتواه صرخة في واد؛ لأنها لا ترتبط بحياة الناس، فتتعطل الأحكام وتضيع أكثر حقوق الناس.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: إنما نعني بالواقعية: مراعاة واقع الكون من حيث هو حقيقة واقعة ووجود مشاهد، ومراعاة واقع الحياة من حيث هي مرحلة حافلة بالخير والشر تنتهي بالموت وتمهد لحياة أخرى، توفى فيها كل نفس بما كسبت. ومراعاة واقع الإنسان من حيث هو مخلوق مزدوج الطبيعة، فهو نفخة من روح الله في غلاف من الطين، ففيها العنصر السماوي والعنصر الأرضي, ومن حيث هو ذكر أو أنثى لكل منهما تكوينه ونزعاته ووظيفته، ومن حيث هو عضو في مجتمع لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا أن يفنى تمامًا في المجتمع، ولهذا تصطرع في نفسه عوامل الأنانية والغيرة، ولا غرو أن راعي الإسلام الواقع في أصول العقيدة، والجوانب التشريعية والأخلاقية، وفي كل ما دعا إليه، وأمر به.
فلا يكفي الداعية أن يكون قد حصل العلوم الإسلامية، وجال في مراجع الأدب واللغة والتاريخ، وأخذ بحظه من العلوم الإنسانية، ومن العلوم التجريبية، ولكنه في هذا كله لا يعرف عالمه الذي يعيش فيه، وما يقوم عليه من نظم، وما يسوده من مذاهب، وما يحركه من عوامل، وما يصطرع فيه من قوى، وما يجري فيه من تيارات، وما يعاني أهله من متاعب وبخاصة وطنه الإسلامي الكبير من المحيط إلى المحيط، بآلامه وآماله، وأفراحه ومآسيه، ومصادر قوته، وعوامل ضعفه، وبعد ذلك وطنه الصغير وبيئته المحلية، وما يسودها من أوضاع وتقاليد، وما تقاسيه من صراعات ومشكلات، وما يشغل أهلها من قضايا وأفكار" [1] ."
ومما يؤسف له وجود هذا الانفصام بين الخطاب الإسلامي وواقع الحياة المعاصرة، واهتمام كثير من الخطابات الإسلامية بأمور بعيدة عن الواقع، وقضايا المسلمين، وإغفالها لواقع العالم الإسلامي، وما يكال ويدبر له من مكائد، وما وقع
(1) - ثقافة الداعية، د. يوسف القرضاوي 85.