وهذه الفطرة أو الطبيعة التي خلق عليها الإنسان تجنح إلى الواقعية؛ لأن الفطرة إذا كانت هي الدين، فإن الدين جاء ليعالج أوضاع مجتمعات أفسدت صفاء الفطرة، وحجبت ضياء الحق.
وفي الحديث:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" [1] .
فهذا الذي طرأ على الفطرة من تنصير أو تهويد أو تمجيس تزييف لها وافتيات عليها، فهو في حاجة إلى جهد يبذل، شأنه شأن أي تزييف في الحياة؛ لأنه ضد الطبيعة، أما دعوة الإسلام فلا تحتاج إلى جهد يذكر لكي تغزو الفطرة؛ لأنها والفطرة سواء كلاهما من الله، ومن ثم جاء الربط بينهما وثيقًا في منطق الآية السالفة فأشير إلى الفطرة بأنها الدين القيّم، ومن ثمّ فنشر الإسلام وسيادة عقيدته قديمًا وحديثًا في أسرع وقت وبأيسر جهد إنما يرجع إلى واقعية هذا الدين وبساطة عقيدته.
يتأكد ذلك في دعوة سيدنا لوط - عليه السلام - إلى جانب الهدف الأعظم وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده، قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ، أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [2] .
وفي دعوة سيدنا شعيب - عليه السلام - إذ كان من أهم أهدافها إصلاح الفساد الاقتصادي المتمثل في دعوتهم عدم نقصان الكيل والميزان.
قال تعالى:(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ
وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [3] .
وفي دعوة سيدنا موسى - عليه السلام - إذ كان من أهدافها أيضًا إصلاح ما وقع من فساد سياسي ممثل في فرعون وملئه. قال تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) ؛ [4] ، وقال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ
(1) - صحيح مسلم كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة 16/ 158،ح 23/ 2658.
(2) - سورة النمل: 54 ـ 55.
(3) - سورة هود: 84 ـ 85.
(4) - سورة النازعات: 17 - 19.