ففي تفسير الحافظ ابن كثير [1] : قال أبو جعفر- رحمه الله - بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني.
ومن فقه رجاء بن حيوه في الأولويات، وهو من التابعين - رضي الله عنهم - ما ذكر الإمام القرطبي في تفسيره: أن الوليد بن عبد الملك استخلف رجاء بن حيوه ليخبره عمن تكلم عليه بالسوء في مجلسه، وقد حدث هذا فعلًا ووصل خبر بذلك إلى الوليد من عيونه، فحلف رجاء بن حيوة أنه لم يحدث شيء من ذلك في مجلسه، فضرب الوليد جاسوسه سبعين سوطًا فكان المضروب يلقى رجاء بن حيوة فيقول: يا رجاء، بك يستقى المطر، وسبعون سوطًا في ظهري، فيقول رجاء: سبعون سوطًا في ظهرك خير لك من أن يقتل مسلم [2] .
فكان هذا من فقه رجاء بن حيوه في الأولويات، إذ قدم الأصغر مفسدة على الأعظم.
ومما يذكر للإمام ابن تيمية في هذا الشأن، قوله: فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما، فقدم أوكدهما إذا لم يكن الآخر في هذه الحالة واجبًا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحالة محرمًا في الحقيقة، وإن سمي ذلك ترك واجب، وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر [3] .
ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أشد حرمة.
غير أن هذه الموازنات والأولويات لابد وأن توزن بميزان الشرع، ثم الاجتهاد المقيد به، إذ لا يصح أن تعتمد هذه الموازنات على العقل المحض، والهوى المجرد.
يقول ابن تيمية: ولكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص ولم يعدل عنها وإلا اجتهد رأيه [4] .
(1) - تفسير القرآن العظيم - ابن كثير، 1/ 456.
(2) - الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 118.
(3) - مجموع الفتاوى، ابن تيمية 11/ 48.
(4) - المصدر نفسه.