الصفحة 47 من 60

قال تعالى: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] .

أي: فيكم أيها المؤمنون من يستجيب لهم، ويتأثّر بما يبثّونه من الشكوك والشبهات، ويقبلها. وهذا على أحد القولين في الآية [1] ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فإنّه قال في قوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] : «وإنّما عدّاه باللام؛ لأنّه متضمّن معنى القبول والطاعة، كما قال الله على لسان عبده (سمع الله لمن حمده) أي: استجاب لمن حمده. وكذلك {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: مطيعون لهم» [2] .

وقال الحافظ ابن كثير - عليه رحمة الله-: « {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي:

(1) اختاره الواحدي في الوجيز: 1/ 466، وابن كثير: 2/ 475، والبقاعي في نظم الدرر: 3/ 329، والشوكاني: 2/ 418، والسعدي: 3/ 244. القول الثاني: أنّ المراد بقوله: {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} : نقل الأخبار إليهم بمثابة الجواسيس، واختاره الطبري: 6/ 384، والقرطبي: 8/ 157،وغيرهما. وحجّتهم أنّ الأغلب من كلام العرب في قولهم (سمّاع) أن يصفوا به من يسمع الكلام لغيره .. والقول الأوّل الذي اختاره شيخ الإسلام هو الراجح، لدلالة السياق عليه، فإنّ سياق الآيات كلّه في المنافقين، وفضح أحوالهم وخباياهم، فلمّا قال: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} دلّ على أنّ هؤلاء السمّاعين ليسوا منهم، ويؤيّد هذا المعنى أنّ المنافقين ليسوا بحاجة إلى من يسمع لهم، فهم مندسّون في الصف المسلم، يسمعون بأنفسهم ما يجري. (ينظر: اختيارات ابن تيمية وترجيحاته في التفسير لمحمد المسند: ص 517 - 519) . وقد أكّد ذلك شيخ الإسلام بقوله: «وبعض الناس يظنّ أنّ المعنى: سمّاعون لأجلهم، بمنزلة الجاسوس. أي: يسمعون ما يقول، وينقلونه إليهم، حتى قيل لبعضهم: أين في القرآن (الحيطان لها آذان) ؟ قال: في قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} !. وكذلك قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] أي: ليكذبوا: أنّ اللام لام التعدية، لا لام التبعية. وليس هذا معنى الآيتين، وإنّما المعنى: فيكم من يسمع لهم، أي: يستجيب لهم ويتّبعهم» . (مجموع الفتاوى: 28/ 194) .

(2) مجموع الفتاوى: 25/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت