، قَالُوا: فَعَائِشَةُ ذَكَرَتْ الْوَعِيدَ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ وَنَحْنُ نَعْمَلُ بِخَبَرِهَا فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِهَذَا الْوَعِيدِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَنَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ (1) . وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْوَعِيدَ مِنْ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ؛ فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي حُكْمِهِ لَمْ يَلْحَقْ فَاعِلَهُ الْوَعِيدُ.
فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يُحْتَجُّ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ فِي تَحْرِيمِ الْأَفْعَالِ مُطْلَقًا وَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَعِيدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةً، وَمِثْلُهُ احْتِجَاجُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ بِالْقِرَاءَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ عَمَلًا وَعِلْمًا وَهِيَ خَبَرُ وَاحِدٍ صَحِيحٌ فَاحْتَجُّوا بِهَا فِي إثْبَاتِ الْعَمَلِ، وَلَمْ يُثْبِتُوهَا قُرْآنًا لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ إلَّا بِيَقِينِ (2)
(1) - قلت: أكثر أهل العلم لم يثبتوه لجهالة برواته
(2) - وفي مناهل العرفان للزرقاني - (ج 1 / ص 457)
قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه البيان وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها فابتدع بدعة ضل بها قصد السبيل قلت وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقراء وأجمعوا على منعه وأوقف للضرب ورجع وكتب عليه محضر بذلك كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأشرنا إليه في الطبقات ا ه ملاحظة إنما أكتفى القراء في ضابط القراءة المشهورة بصحة الإسناد مع الركنين الآخرين ولم يشترطوا التواتر مع أنه لا بد منه في تحقق القرآنية لأسباب ثلاثة أحدها أن هذا ضابط لا تعريف والتواتر قد لوحظ في تعريف القرآن على أنه شطر أو شرط على الأقل ولم يلحظ في الضابط لأنه يغتفر في الضوابط ما لا يغتفر في التعاريف فالضوابط ليست لبيان الماهية والحقيقة ثانيها التيسير على الطالب في تمييز القراءات المقبولة من غيرها فإنه يسهل عليه بمجرد رعايته لهذا الضابط أن يميز القراءات المقبولة من غير المقبولة أما إذا اشترط التواتر فإنه يصعب عليه ذلك التمييز لأنه يضطر في تحصيله إلى أن يصل الىجمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية وهيهات أن يتيسر له ذلك ثالثها أن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة بيان هذه المساواة أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها وهو عهد الصحابة فإذا صح سند القراءة ووافقت قواعد اللغة ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع وإن كانت آحادا ولا تنس ما هو مقرر في علم الأثر من أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك فكأن التواتر كان يطلب تحصيله في الإسناد قبل أن يقوم المصحف وثيقة متواترة بالقرآن أما بعد وجود هذا المصحف المجمع عليه فيكفي في الرواية صحتها وشهرتها ما وافقت رسم هذا المصحف ولسان العرب قال صاحب الكواكب الدرية نقلا عن المحقق ابن الجزري ما نصه قولنا وصح سندها نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله وهكذا حتى ينتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن وهذا مما لا يخفى ما فيه فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من موافقة الرسم وغيره إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه ا ه وبهذا التوجيه الذي وجهنا به الضابط المذكور يهون اعتراض العلامة النويري في شرحه على الطيبة إذ يقول ما نصه وقوله وصح إسنادا ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى تواتر وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم كما ستراه إن شاء الله تعالى ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرؤون أحرفا لا يصح لها سند أصلا ويقولون التواتر ليس بشرط وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك ولا بد لهذه المسألة من بعض بسط فلذلك لخصت فيها مذاهب القراء والفقهاء الأربعة المشهورين وما ذكر الأصوليون والمفسرون وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين وذكرت في هذا التعليق المهم من ذلك لأنه لا يحتمل التطويل فأقول القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة منهم الغزالي وصدر الشريعة وموفق الدين المقدسي وابن مفلح والطوفي هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا وقال غيرهم هو الكلام المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر كما قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة لأن التواتر عندهم جزء من الحد فلا تتصور ماهية القرآن إلا به وحينئذ فلا بد من التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة ولم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والتونسي في تفسيره والنووي والسبكي والإسنوي والأذرعي والزركشي والدميري وابن الحاجب والشيخ خليل وابن عرفة وغيرهم رحمهم الله تعالى