فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 463

وَأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ نَسْخٌ (1)

(1) - وفي المستصفى - (ج 2 / ص 115)

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُمُومُ.

لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالدَّلِيلِ إمَّا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، وَ {يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} ، وَ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} ، وَ {أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} وَقَوْلِهِ: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، وَ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ، وَ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ، وَ {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} {وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ} فَإِنَّ جَمِيعَ عُمُومَاتِ الشَّرْعِ مُخَصَّصَةٌ بِشُرُوطٍ فِي الْأَصْلِ، وَالْمَحَلِّ، وَالسَّبَبِ وَقَلَّمَا يُوجَدُ عَامٌّ لَا يُخَصَّصُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعُمُومِ.

، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُمُومُ أَنْوَاعٌ عَشَرَةٌ: الْأَوَّلُ دَلِيلُ الْحِسِّ، وَبِهِ خُصِّصَ قَوْله تَعَالَى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} فَإِنَّ مَا كَانَ فِي يَدِ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا، وَهُوَ شَيْءٌ.

وقَوْله تَعَالَى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} خَرَجَ مِنْهُ السَّمَاءُ، وَالْأَرْضُ، وَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ بِالْحِسِّ.

الثَّانِي: دَلِيلُ الْعَقْلِ، وَبِهِ خُصِّصَ قَوْله تَعَالَى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} إذْ خَرَجَ عَنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ إذْ الْقَدِيمُ يَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} خَرَجَ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفِ مَنْ لَا يَفْهَمُ.

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى أَدِلَّةِ السَّمْعِ، وَالْمُخَصِّصُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا، وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ؟ قُلْنَا: قَالَ قَائِلُونَ: لَا يُسَمَّى دَلِيلُ الْعَقْلِ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْحَالِ، وَهُوَ نِزَاعٌ فِي عِبَارَةٍ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الْأَدِلَّةِ مُخَصِّصَةً تَجَوُّزٌ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مُحَالٌ لَكِنَّ الدَّلِيلَ يُعَرِّفُ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْعُمُومِ مَعْنًى خَاصًّا، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ يَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} نَفْسَهُ، وَذَاتَهُ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ الْعَقْلِ فَهُوَ مَوْجُودٌ أَيْضًا عِنْدَ نُزُولِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى مُخَصِّصًا بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ لَا قَبْلَهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَجُوزُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ اللِّسَانِ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَائِلُهُ كَاذِبًا، وَلَمَّا وَجَبَ الصِّدْقُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ مَعَ شُمُولِ اللَّفْظِ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ.

الثَّالِثُ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ، وَيُخَصَّصُ بِهِ الْعَامُّ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ، وَالْعَامُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ، وَلَا تَقْضِي الْأُمَّةُ فِي بَعْضِ مُسَمَّيَاتِ الْعُمُومِ بِخِلَافِ مُوجَبِ الْعُمُومِ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ بَلَغَهُمْ فِي نَسْخِ اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ أَوْ فِي عَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْإِرَادَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْعُمُومِ، وَالْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ الْخَاصِّ لِأَنَّ النَّصَّ الْخَاصَّ مُحْتَمَلٌ نَسْخُهُ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ.

الرَّابِعُ: النَّصُّ الْخَاصُّ يُخَصِّصُ اللَّفْظَ الْعَامَّ فَقَوْلُهُ:: {فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ يَعُمُّ مَا دُونَ النِّصَابِ وَقَدْ خَصَّصَهُ قَوْلُهُ: عَلَيْهِ السَّلَامُ:} لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وقَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} يَعُمُّ كُلَّ مَالٍ، وَخَرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ بِقَوْلِهِ: {لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.}

وَقَوْلُهُ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يَعُمُّ الْكَافِرَةَ، فَلَوْ وَرَدَ مَرَّةً أُخْرَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فِي الظِّهَارِ بِعَيْنِهِ لَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ الْعَامَّةِ هِيَ الْمُؤْمِنَةُ عَلَى الْخُصُوصِ.

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْخَاصَّ، وَالْعَامَّ يَتَعَارَضَانِ، وَيَتَدَافَعَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ سَابِقًا وَقَدْ وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ فَنُسِخَ الْخَاصُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ سَابِقًا وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ ثُمَّ نُسِخَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بَعْدَهُ، فَعُمُومُ الرَّقَبَةِ مَثَلًا يَقْتَضِي إجْزَاءَ الْكَافِرَةِ مَهْمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنَةِ يَقْتَضِي مَنْعَ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ، وَإِذَا أَمْكَنَ النَّسْخُ، وَالْبَيَانُ جَمِيعًا فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ دُونَ النَّسْخِ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِالْحُكْمِ عَلَى الْعَامِّ بِالْخَاصِّ، وَلَعَلَّ الْعَامَّ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَيُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا تَقْدِيمُ الْخَاصِّ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُمْكِنًا، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ النَّسْخِ مُحْتَاجٌ إلَى الْحُكْمِ بِدُخُولِ الْكَافِرَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ ثُمَّ خُرُوجِهِ عَنْهُ فَهُوَ إثْبَاتُ وَضْعٍ، وَرَفْعٍ بِالتَّوَهُّمِ، وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ غَالِبٌ مُعْتَادٌ بَلْ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَالنَّسْخُ كَالنَّادِرِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِالتَّوَهُّمِ، وَيَكَادُ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سِيَرِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ كَثِيرٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إلَى الْحُكْمِ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَمَا اشْتَغَلُوا بِطَلَبِ التَّارِيخِ، وَالتَّقَدُّمِ، وَالتَّأَخُّرِ.

الْخَامِسُ: الْمَفْهُومُ بِالْفَحْوَى، كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْأَبِ حَيْثُ فُهِمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّأْفِيفِ، فَهُوَ قَاطِعٌ كَالنَّصِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى لَفْظٍ، وَلَسْنَا نُرِيدُ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ بَلْ لِدَلَالَتِهِ، فَكُلُّ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ قَاطِعٍ فَهُوَ كَالنَّصِّ، وَالْمَفْهُومُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَيْضًا كَالْمَنْطُوقِ حَتَّى إذَا وَرَدَ عَامٌّ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ ثُمَّ قَالَ الشَّارِعُ: {فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ} أُخْرِجَتْ الْمَعْلُوفَةُ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا اللَّفْظِ عَنْ عُمُومِ اسْمِ الْغَنَمِ، وَالنَّعَمِ.

السَّادِسُ: فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ دَلِيل عَلَى مَا سَيَأْتِي بِشَرْطِهِ عِنْدَ ذِكْرِ دَلَالَةِ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا عُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي} ، وَ {خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ،} فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْبَيَانَ فَإِذَا نَاقَضَ فِعْلُهُ لِحُكْمِهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَلَا يُرْفَعُ أَصْلُ الْحُكْمِ بِفِعْلِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ لَكِنْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَنَذْكُرُ لَهُ ثَلَاثَةَ أَمْثِلَةٍ.

الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ ثُمَّ وَاصَلَ فَقِيلَ لَهُ: نَهَيْتَ عَنْ الْوِصَالِ، وَنَرَاكَ تُوَاصِلُ فَقَالَ {إنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي، وَيَسْقِينِي} فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ بِفِعْلِهِ بَيَانَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَحْرِيم الْوِصَال إنْ كَانَ بِقَوْلِهِ لَا تُوَاصِلُوا أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْوِصَالِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ غَيْرَهُ.

وَالْمُخَاطِبُ إنَّمَا يَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِ نَفْسِهِ إذَا أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِلَفْظٍ عَامٍّ كَقَوْلِهِ"حُرِّمَ الْوِصَالُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَوْ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَوْ كُلِّ مُؤْمِنٍ"أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ عَامٍّ فَيَكُونُ فِعْلُهُ تَخْصِيصًا.

الْمِثَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ ثُمَّ رَآهُ ابْنُ عُمَرَ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ عَلَى سَطْحٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِأَنَّهُ كَانَ وَرَاءَ سُتْرَةٍ، وَالنَّهْيُ كَانَ مُطْلَقًا، وَأُرِيدَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سَاتِر، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَثْنًى، وَمَخْصُوصًا فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ الْعُمُومِ إنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُحَرِّمُ عَامًّا لَهُ، وَلَا يَصْلُحُ هَذَا لَأَنْ يُنْسَخَ بِهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِقْبَالِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ، وَخُفْيَةٍ فَلَا يَصْلُحُ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَيَانُ، فَإِنَّ مَا أُرِيدَ بِهِ الْبَيَانُ يَلْزَمُهُ إظْهَارُهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّوَاتُرِ إنْ تُعُبِّدَ فِيهِ الْخَلْقُ بِالْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يُتَعَبَّدُوا إلَّا بِالظَّنِّ، وَالْعَمَلِ فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِهِ لِعَدْلٍ أَوْ لِعَدْلَيْنِ.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ ثُمَّ كَشَفَ فَخْذَهُ بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَسَتَرَهُ فَعَجِبُوا مِنْهُ فَقَالَ: {أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ} فَهَذَا لَا يَرْفَعُ النَّهْيَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِيهِ أَوْ لَعَلَّهُ كَشَفَهُ لِعَارِضٍ، وَعُذْرٍ، فَإِنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ، أَوْ أُرِيدَ بِالْفَخْذِ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَلَيْسَ دَاخِلًا فِي حَدِّهِ أَوْ إبَاحَتُهُ خَاصَّةً لَهُ أَوْ نُسِخَ تَحْرِيمُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فَلَا يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالْوَهْمِ.

السَّابِعُ: تَقْرِيرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى خِلَافِ مُوجَبِ الْعُمُومِ، وَسُكُوتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ نَسْخَ أَصْلِ الْحُكْمِ أَوْ تَخْصِيصَ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِالنَّسْخِ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لَهُ أَوْ تَخْصِيصَ وَصْفٍ، وَحَالٍ، وَوَقْتٍ ذَلِكَ الشَّخْصُ مَلَابِسُ لَهُ فَيُشَارِكُهُ فِي الْخُصُوصِ مَنْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ تَعَيَّنَ تَقْرِيرُهُ لِكَوْنِهِ نَسْخًا إمَّا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِمَّا فِي حَقِّهِ خَاصَّةً، وَالْمُسْتَيْقَنُ حَقُّهُ خَاصَّةً، لَكِنْ لَوْ كَانَ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُبَيِّنَ اخْتِصَاصَهُ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ أُمَّتَهُ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الْوَاحِدِ كَحُكْمِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَيَدُلُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى النَّسْخِ الْمُطْلَقِ.

وَلَمَّا أَقَرَّ أَصْحَابُهُ عَلَى تَرْكِ زَكَاةِ الْخَيْلِ مَعَ كَثْرَتِهَا فِي أَيْدِيهِمْ دَلَّ عَلَى سُقُوطِ زَكَاةِ الْخَيْلِ، إذْ تَرْكُ الْفَرْضِ مُنْكَرٌ يَجِبُ إنْكَارُهُ.

فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّهُمْ أَخْرَجُوا، وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خَيْلِهِمْ سَائِمَةٌ قُلْنَا: الْعَادَةُ تُحِيلُ انْدِرَاسَ إخْرَاجِهِمْ الزَّكَاةَ طُولَ أَعْمَارِهِمْ، وَالسَّوْمُ قَرِيبٌ مِنْ الْإِمْكَانِ، وَيَجِبُ شَرْحُ مَا يَقْرُبُ وُقُوعُهُ؛ فَلَوْ وَجَبَ لَذَكَرَهُ.

فَهَذِهِ سَبْعُ مُخَصِّصَاتٍ، وَوَرَاءَهَا ثَلَاثَةٌ تُظَنُّ مُخَصِّصَاتٍ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا فَنَنْظُمُهَا فِي سِلْكِ الْمُخَصِّصَاتِ.

الثَّامِنُ: عَادَةُ الْمُخَاطَبِينَ.

فَإِذَا قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ مَثَلًا وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ تَنَاوُلَهُمْ جِنْسًا مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يُقْتَصَرُ بِالنَّهْيِ عَلَى مُعْتَادِهِمْ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ لَحْمُ السَّمَكِ، وَالطَّيْرِ، وَمَا لَا يُعْتَادُ فِي أَرْضِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي لَفْظِهِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَأَلْفَاظُهُ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ شُرْبُ الْبَوْلِ، وَأَكْلُ التُّرَابِ، وَابْتِلَاعُ الْحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ.

وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً لِعُرْفِ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي تَخْصِيصِ اللَّفْظِ، وَأَكْلُ النَّوَاةِ، وَالْحَصَاةِ يُسَمَّى أَكْلًا فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَادُ فِعْلُهُ، فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ لَا يُعْتَادَ الْفِعْلُ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْتَادَ إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الشَّيْءِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَعَادَةُ النَّاسِ تُؤَثِّرُ فِي تَعْرِيفِ مُرَادِهِمْ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ، حَتَّى إنَّ الْجَالِسَ عَلَى الْمَائِدَةِ يَطْلَبُ الْمَاءَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَذْبُ الْبَارِدُ لَكِنْ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ خِطَابِ الشَّارِعِ إيَّاهُمْ.

التَّاسِعُ: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ بِخِلَافِ الْعُمُومِ فَيُجْعَلُ مُخَصِّصًا عِنْدَ مَنْ يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَقَدْ أَفْسَدْنَاهُ وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الرَّاوِي يَرْفَعُ الْعُمُومَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ مَذْهَبَ الرَّاوِي إذَا خَالَفَ رِوَايَتَهُ يُقَدَّمُ مَذْهَبُهُ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا أَفْسَدْنَاهُ، بَلْ الْحُجَّةُ فِي الْحَدِيثِ، وَمُخَالَفَتُهُ، وَتَأْوِيلُهُ، وَتَخْصِيصُهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَنَظَرٍ لَا نَرْتَضِيهِ فَلَا نَتْرُكَ الْحُجَّةَ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بَلْ لَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا، وَأَخَذَ الرَّاوِي بِأَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ فَلَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ مَا لَمْ يَقُلْ: إنِّي عَرَفْتُهُ مِنْ التَّوْقِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَوَاهُ رَاوِيَانِ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِاحْتِمَالٍ آخَرَ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْبَعَهُمَا أَصْلًا.

الْعَاشِرُ: خُرُوجُ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى تَخَصُّصِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُرْضٍ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَاخْتِتَامُ هَذَا الْكِتَابِ بِذِكْرِ مَسْأَلَتَيْنِ فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِالْقِيَاسِ.

مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْقُرْآنِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ لِتَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَ بِتَقْدِيمِ الْعُمُومِ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ قَوْمٌ، وَبِتَقَابُلِهِمَا، وَالتَّوَقُّفُ إلَى ظُهُورِ دَلِيلٍ آخَرَ قَوْمٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ كَانَ الْعُمُومُ مِمَّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَقَدْ ضَعُفَ وَصَارَ مَجَازًا فَالْخَبَرُ أَوْلَى مِنْهُ، وَإِلَّا فَالْعُمُومُ أَوْلَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَرْجِيحِ الْعُمُومِ بِمَسْلَكَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ عُمُومَ الْكِتَابِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ؟ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ دُخُولَ أَصْلِ مَحَلِّ الْخُصُوصِ فِي الْعُمُومِ وَكَوْنَهُ مُرَادًا بِهِ مَظْنُونٌ ظَنًّا ضَعِيفًا يَسْتَنِدُ إلَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْوَاقِفِيَّةُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَكَيْفَ يَنْفَعُ كَوْنُ أَصْلِ الْكِتَابِ مَقْطُوعًا بِهِ فِيمَا لَا يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُرَادًا بِلَفْظِهِ؟ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَلَزِمَ تَكْذِيبُ الرَّاوِي قَطْعًا، وَلَا شَكَّ فِي إمْكَانِ صِدْقِهِ.

فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ نَقَلَ النَّسْخَ فَصِدْقُهُ أَيْضًا مُمْكِنٌ، وَلَا يُقْبَلُ.

قُلْنَا: لَا جَرَمَ لَا يُعَلَّلُ رَدُّهُ بِكَوْنِ الْآيَةِ مَقْطُوعًا بِهَا لِأَنَّ دَوَامَ حُكْمِهَا إنَّمَا يُقْطَعُ بِهِ بِشَرْطِ أَلَّا يَرِدَ نَاسِخٌ فَلَا يَبْقَى الْقَطْعُ مَعَ وُرُودِهِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مَنَعَ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّخْصِيصِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ مَقْطُوعٌ بِهَا ثُمَّ تُرْفَعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ، وَمَاءُ الْبَحْرِ مَقْطُوعٌ بِطَهَارَتِهِ إذَا جُعِلَ فِي كُوزٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ بِأَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعُمُومُ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ خَاصٌّ.

الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالُ فِي صِدْقِ الرَّاوِي، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي اعْتِقَادِ صِدْقِهِ؛ فَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ، وَتَحْلِيلَ الْبُضْعِ وَاجِبٌ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ قَطْعًا مَعَ أَنَّا لَا نَقْطَعُ بِصِدْقِهِمَا، فَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَكَوْنُ الْعُمُومِ مُسْتَغْرِقًا غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرٍ لَا يُقَابِلُ عُمُومَ الْقُرْآنِ.

قُلْنَا: يُقَابِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومٍ لَا يُخَصِّصُهُ حَدِيثٌ نَصَّ بِنَقْلِهِ عَدْلٌ، وَلَا فَصْلَ بَيْن الْكَلَامَيْنِ الْمَسْلَكُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَدِيثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَسْخًا أَوْ بَيَانًا، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَيَانًا فَمُحَالٌ إذْ الْبَيَانُ مَا يَقْتَرِنُ بِالْمُبَيَّنِ، وَمَا يُعَرِّفُهُ الشَّارِعُ أَهْلَ التَّوَاتُرِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ بِهِ.

قُلْنَا: هُوَ بَيَانٌ، وَلَا يَجِبُ اقْتِرَانُ الْبَيَانِ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عِنْدَنَا، وَمَا يُدْرِيهِمْ أَنَّهُ وَقَعَ مُتَرَاخِيًا فَلَعَلَّهُ كَانَ مُقْتَرِنًا، وَالرَّاوِي لَمْ يَرْوِ اقْتِرَانَهُ؟ كَيْفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ وُرُودِ آيَةِ السَّرِقَةِ لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الْحِرْزِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يُلْقِيَهُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَتَحَكُّمٌ، بَلْ إذَا لَمْ يُكَلِّفْهُمْ الْعَلْمَ بَلْ الْعَمَلَ جَازَ تَكْلِيفُهُمْ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ مَا يُدْرِيهِمْ فَلَعَلَّهُ أَلْقَاهُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَمَاتُوا قَبْلَ النَّقْلِ أَوْ نَسُوا أَوْ هُمْ فِي الْأَحْيَاءِ لَكِنَّا مَا لَقِينَا مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا.

حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ذَهَبَتْ إلَيْهِ إذْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَخَالَتِهَا، فَخَصَّصُوا بِهِ قَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ، وَخَصَّصُوا عُمُومَ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ، وَالْعَبْدُ، وَلَا أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَرَفَعُوا عُمُومَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: {لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ} ، وَرَفَعُوا عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: {حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا} إلَى نَظَائِرَ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى.

الِاعْتِرَاضُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَاطِعًا بِأَنَّهُمْ رَفَعُوا الْعُمُومَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الرَّاوِي، بَلْ رُبَّمَا قَامَتْ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأُمُورٍ وَقَرَائِنَ، وَأَدِلَّةٍ سِوَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، كَمَا نُقِلَ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ تَحَوَّلُوا عَنْ الْقِبْلَةِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَسْخٌ لَكِنَّهُمْ لَعَلَّهُمْ عَرَفُوا صِدْقَهُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْكَذِبُ فِيهِ.

حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّ الْعُمُومَ وَحْدَهُ دَلِيلٌ مَقْطُوعُ الْأَصْلِ مَظْنُونُ الشُّمُولِ، وَالْخَبَرُ وَحْدَهُ مَظْنُونُ الْأَصْلِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّرْجِيحِ فَيَتَعَارَضَانِ، وَالرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ أَوْلَى لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إلَى عَدْلٍ وَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ لِمَا هُوَ نَصٌّ كَسُكُونِهَا إلَى عَدْلَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا اقْتِضَاءُ آيَةِ الْمَوَارِيثِ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ، وَالْكَافِرِ ضَعِيفٌ وَكَلَامُ مَنْ يَدَّعِي إجْمَالَ الْعُمُومِ قَوِيٌّ وَاقِعٌ وَكَلَامُ مَنْ يُنْكِرُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ وَلِذَلِكَ تُرِكَ تَوْرِيثُ فَاطِمَةَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ {نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ} الْحَدِيثَ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ تَقْدِيرَ كَذِبِ أَبِي بَكْرٍ وَكَذِبِ كُلِّ عَدْلٍ أَبْعَدُ فِي النَّفَسِ مِنْ تَقْدِيرِ كَوْنِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ مَسُوقَةً لِتَقْدِيرِ الْمَوَارِيثِ لَا لِلْقَصْدِ إلَى بَيَانِ حُكْمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْقَاتِلُ، وَالْعَبْدُ، وَالْكَافِرُ، وَهَذِهِ النَّوَادِرُ.

أصول السرخسي - (ج 1 / ص 132) وأصول السرخسي - (ج 1 / ص 142) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 312) والمحصول - (ج 2 / ص 355) والمحصول - (ج 3 / ص 65) وكشف الأسرار - (ج 2 / ص 293) وكشف الأسرار - (ج 5 / ص 276) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 65) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 216 - 244) والتقرير والتحبير - (ج 2 / ص 19) والتقرير والتحبير - (ج 2 / ص 258) والتقرير والتحبير - (ج 2 / ص 278 - 291) وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 143) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 3 / ص 386) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 303 - 350)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت