فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 463

كَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ (1)

(1) - (الزيادة على النص ليست نسخًا) وهذا هو الراجح وهو مذهب جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى من المالكية والشافعية والحنابلة، والمراد بقولنا (الزيادة) أي من السنة الآحادية، وقولنا (على النص) أي القرآن، وبيان معناها أن يقال: إذا ورد حكم في القرآن الكريم ثم وردت السنة بالزيادة فيه زيادةً هي كالجزء أو الشرط أي أن السنة الآحادية أضافت حكمًا أو شرطًا على ما ثبت بالقرآن، فهل تكون هذه الزيادة ناسخة للقرآن؟ أو زيادة من باب البيان فتقبل؟ ومثال ذلك: أن حد الزاني البكر في القرآن هو أن يجلد مائة جلدة، فمائة الجلدة هذه هي حد الزاني البكر في القرآن فجاءت السنة الآحادية فأضافت شيئًا آخر في حد الزاني البكر وهو التغريب عامًا، فهذه هي الزيادة على النص، أي أن السنة الآحادية أثبتت شيئًا زائدًا على ما في القرآن، فهل هذه الزيادة نسخ أو لا؟

فيه خلاف، ومذهب الجمهور كما قدمنا لك أن هذه الزيادة ليست نسخًا بل هي بيانٌ لما في القرآن وإضافة شيءٍ جديدٍ له وليس هذا يسمى نسخًا، وذهب الحنفية إلى أن هذه الزيادة نسخ للقرآن، فلا تقبل وسوف يأتي دليلهم مع الجواب عليه إن شاء الله تعالى

إذا علمت هذا فإليك بحث هذه القاعدة بالتفصيل فأقول:

إذا زادت السنة على القرآن شيئًا فلا يخلو: إما أن لا تتعلق بالمزيد عليه، أي أن القرآن يثبت حكمًا وزادت السنة حكمًا آخر لا تعلق له بالحكم الثابت بالقرآن كأن يثبت القرآن الصلاة وتأتي السنة بإثبات الحج أو الصوم مثلًا، فهذه الزيادة ليست نسخًا باتفاق العلماء رحمهم الله تعالى، فالسنة عند الجميع تثبت أحكامًا جديدة ليست في القرآن، فهذه الحالة لا خلاف فيها، وإنما الخلاف وقع في الحالة الثانية: وهي أن تزيد السنة على القرآن زيادةً تكون كالجزء أو كالشرط لما ثبت بالقرآن، أي أن يثبت القرآن حكمًا ثم تأتي السنة فتثبت شرطًا زائدًا في هذا الحكم، لم يتكلم القرآن عليه، فهل هذه الزيادة نسخ أو لا؟ هذه هي التي وقع فيها الخلاف، وقدمنا أن الراجح هو قول الجمهور وهو نص هذه القاعدة وهي أن ما زادته السنة الآحادية على القرآن لا يعد نسخًا للقرآن بل يجري مجرى البيان والدليل على ترجيح هذا القول عدة أمور:

منها: أن حقيقة النسخ عند الأصوليين هو رفع الحكم الثابت بخطابٍ متقدم بخطابٍ متأخرٍ عنه، وليس في هذه المسألة رفع لحكم وإنما فيها إضافة شيء جديد مع بقاء الحكم الثابت بالقرآن على حاله، فليس هناك حكم ارتفع حتى نقول إنه نسخ.

ومن الأدلة أيضًا: أن الذي ارتفع إنما هو البراءة الأصلية إذ أن الأصل عدم التكليف بهذا الحكم الجديد الذي ثبت بالسنة أي أن الأصل أن ذمة المكلف بريئة منه، فلما ثبت بالسنة ارتفعت هذه البراءة الأصلية وعمرت الذمة به وبالاتفاق أن رفع البراءة الأصلية لا يسمى نسخًا لأن النسخ رفع للحكم الثابت بالخطاب الشرعي والبراءة الأصلية إنما ثبتت بالعقل لا بالحكم الشرعي فلا يسمى رفعها نسخًا ولأن القاعدة تنص على أن إعمال الدليلين واجب إذا أمكن ولا يصار للنسخ إلا مع تعذر الجمع، والجمع بين القرآن والسنة الآحادية يمكن وهو جعل هذه الزيادة مبينة لما في القرآن ومضيفة له حكمًا جديدًا فإذا أمكن الجمع لم يجز القول بالنسخ.

ومن الأدلة: أنه لا يجوز إبطال شيء من كلام الشارع إذا أمكن إعماله وهنا يمكن إعماله ولأن القاعدة تنص على أن إعمال الكلام أولى من إهماله وعلى قول الحنفية فيه إهمال لكلام الشارع فإذا كان إهمال كلام سائر الناس لا يجوز مع إمكان إعماله فمن باب أولى ألا يهمل كلام الشارع مع إمكان إعماله وذلك بجعل السنة مبينة للقرآن لا مضادة له.

فهذه هي أدلتنا على ما ذهبنا إليه. وقال الحنفية رحمهم الله تعالى: أما نحن فنرى أن الزيادة على القرآن نسخ ودليل ذلك أن الحكم المذكور في القرآن قبل الزيادة كان كافيًا للمقصود منه مستقلًا بنفسه، وبعد هذه الزيادة ارتفع استقلاله ولم يعد كافيًا بمفرده فالزيادة نسخت استقلال الحكم القرآني ورفعته ورفعه هو النسخ عندنا فصارت الزيادة على القرآن نسخ له لا لأنها رفعت الحكم أصلًا وإنما رفعت استقلال الحكم فلم يعد كافيًا لوحده كما كان قبل هذه الزيادة، فإذا تقرر ذلك فنقول: - أي الحنفية - يجب حينئذٍ رد هذه الزيادة لأنها آحاد والقرآن متواتر والآحاد لا يقوى على نسخ المتواتر، كذا قالوا - رحمهم الله تعالى - وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن النسخ حقيقته رفع حكم شرعي، وهنا لم يرتفع بهذه الزيادة حكم شرعي وإنما الذي ارتفع هو استقلال الحكم الشرعي ورفع الاستقلال لا يسمى نسخًا، ولأن رفع الاستقلال لم يقصد أصلًا وإنما ارتفع تبعًا لا قصدًا لأن من لوازم هذه الزيادة أن يرتفع الاستقلال، فهي لم تقصد بالرفع فلا يكون رفعها نسخًا لعدم القصد.

ويلزم عليهم - رحمهم الله تعالى - أن الصلاة كانت هي الشعيرة الوحيدة قبل فرض الصوم والزكاة والحج وكانت هي كل الشريعة أعني من الشعائر الظاهرة، ثم لما فرض الصوم والحج رفعت استقلال الصلاة بكونها كل الشريعة بعد الشهادتين ولم يسم الحنفية رحمهم الله تعالى رفع هذا الاستقلال نسخًا فكذلك هنا بجامع رفع الاستقلال في كلٍ، بغض النظر عن نوعية هذه الزيادة، أهي تتعلق بالمزيد عليه أو لا؟ المهم أن الاستقلال رفع في كلٍ فإذا كان رفع الاستقلال في مثالنا لا يسمى نسخًا فكذلك الزيادة على النص إذا رفعت استقلاله، فرفع الاستقلال لا يسمى نسخًا.

ثم نرى أن الأئمة الحنفية رحمهم الله تعالى يتركون هذه القاعدة في بعض الفروع وهي كثيرة لكن أعطيك مثالًا واحدًا وهو: أن نواقض الوضوء في القرآن إنما هي الغائط كما في آية سورة المائدة والنساء فالقرآن نص على ذلك فالغائط هو الناقض الوحيد للوضوء في القرآن فهو مستقل بالنقض لكن نرى أن الحنفية جعلوا من نواقض الوضوء القهقهة في الصلاة ويستدلون على ذلك بحديث آحاد ضعيف فلو كان هذا صحيحًا فإنه يرفع استقلال الغائط بكونه هو الناقض في القرآن فيأتي رجل ويقول: ليس الغائط هو الناقض لوحده بل والقهقهة أيضًا من النواقض، فهذا القول يرفع استقلال الحكم القرآني ومع ذلك قالوا به ولم يسموه نسخًا، مع أنه زيادة على النص، فكيف ذلك؟ فهذا يدل على ضعف قولهم - رحمهم الله رحمة واسعة وغفر لهم - فكم ردوا من السنن الصحيحة بمثل هذه الآراء الضعيفة - فاللهم اغفر لهم من أولهم إلى آخرهم وتجاوز عنهم واجمعنا بهم في جنتك - لكن السنة أحب إلينا وأعظم في قلوبنا من كل أحد وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا قول الشريعة من كتابٍ وسنة.

إذا علمت هذا وتبين لك ما رجحناه من أن الزيادة على النص ليست نسخًا فإليك بعض الفروع التي اختلفوا فيها بسبب خلافهم في هذه القاعدة:

فمن الفروع: النية في الوضوء، ذهب الجمهور إلى وجوب النية في الوضوء فلا يصح الوضوء إلا بها مستدلين على ذلك بحديث عمر المشهور:"إنما الأعمال بالنيات"وذهب الحنفية إلى أنها ليست بشرط فيه فيصح بدونها وإن جاء بها فحسن، وقالوا: إن آية الوضوء ليس فيها تعرض للنية وإنما فيها الأمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، فهذا هو الوضوء في الآية فلو اشترطنا النية وقلنا إنها داخلة في مسمى الوضوء لصار ذلك نسخًا للقرآن بسنةٍ آحادية وهو باطل، لأن الزيادة على النص نسخ، كذا قالوا، والحق بلا شك مع الجمهور لصحة الأحاديث في ذلك، وأما القاعدة فصوابها هو ما تقدم لك فلا عبرة بقولهم لأنه مصادم للنص، هذا مع التسليم أن الآية ليس فيها إشارة للنية، وإلا فالحق أن من تدبر لفظ الآية لوجدها قد أشارت للنية وذلك في قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ (أي إذا أردتم وقصدتم القيام لها وهذه هي النية.

والعجب منهم رحمهم الله تعالى فإنهم يشترطون النية في التيمم ويقولون إن القرآن دل على النية في التيمم وذلك في قوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (والتيمم هو القصد وهذا هو النية، فنقول: فهمتم الإشارة إلى النية هنا ولم تفهموها في أول الآية مع أن فهم النية في قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ (أوضح من قوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (، وعلى العموم فالصواب هو اشتراط النية في كلٍ، بل القاعدة عندنا أن النية شرط لصحة المأمورات وشرط لترتب الثواب في التروك، والله أعلم.

ومنها: وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، قال الشافعية والحنابلة: بأنه ركن من أركان الوضوء، مع اختلاف مآخذهم لكن قالوا بركنيته، واستدل الحنابلة على الركنية بحديث (( أبدأ بما بدأ الله به ) )وهذا وإن كان في الحج لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وبفعله (ولأنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين والشريعة لا تفصل بين متماثلين إلا لحكمة والحكمة هنا هي مراعاة الترتيب ولأن فعله صار بيانًا للأمر القرآني والفعل إذا اقترن بأمر قولي أفاد الوجوب، وفي الحديث(( حتى تسبغ الوضوء كما أمرك الله تعالى ) )وتوضأ النبي (مرتبًا وقال:(( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) )وغيرها من الأدلة.

وأما الشافعية فاستدلوا بدليل آخر وهو: أن عطف هذه الأعضاء الأربعة بحرف الواو الناسقة تفيد الترتيب عندهم كما ذكره الزنجاني عنهم، وعلى كل حال فكلا الفريقين توصل إلى أن الوضوء لا يصح إلا بالترتيب لهذه الأدلة.

وقالت الحنفية: لا يجب الترتيب لأن الآية لم تتعرض للترتيب ولم تشر إليه والواو ليست للترتيب وإنما لمطلق الجمع فلو قلنا بالترتيب لزدنا على الوضوء ركنًا لم يتعرض له القرآن، فهي زيادة على النص والزيادة على النص نسخ والآحاد لا ينسخ المتواتر كذا قالوا، والحق بلا شك مع الحنابلة والشافعية من وجوب الترتيب وهو ليس بزيادة على ما في القرآن وإنما بيان لما في القرآن، وإن سلمنا أنه زيادة عليه فالزيادة على النص ليست نسخًا كما قررناه، والله أعلم.

ومنها: تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة، فقد ذهب الحنفية رحمهم الله تعالى إلى أن القراءة الواجبة في الصلاة هي ما تيسر من القرآن عملًا بقوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ (ولم يحدد القرآن شيئًا معينًا لابد من قراءته، فإذا قرأ الإنسان في صلاته ما تيسر من كتاب الله كفى وهذا هو دلالة القرآن، وذهب الجمهور إلى أن القراءة الواجبة في الصلاة هي الفاتحة بعينها لا يجزئ غيرها عنها لحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) )وحديث أبي هريرة (( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج - ثلاثًا - غير تمام ) )رواه مسلم، وغيرهما من الأحاديث المعينة للفاتحة، وحمل الجمهور قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (على الفاتحة عملًا بالأدلة كلها، فقال الحنفية: إن الأحاديث المعينة للفاتحة زيادة على القرآن لأنه أطلق ولم يعين والزيادة على النص نسخ والآحاد لا ينسخ المتواتر فلا نقبلها، فقال الجمهور: إن هذه الأحاديث ليست زيادة على القرآن بل موضحة ومبينة للقرآن ولا تعارضه حتى ترد، وإن سلمنا أنها زيادة عليه فالزيادة على القرآن ليست بناسخ عندنا، وهذا القول - أعني قول الجمهور - هو الراجح ولا شك لصحة الأحاديث وصراحتها في الدلالة على تعيين الفاتحة، وأما قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (فهو مجمل وهذه الأحاديث مبينة والمجمل يحمل على المبين جمعًا بين الأدلة، والله أعلم.

ومنها: اشتراط الطهارة للطواف، فذهب الحنفية إلى أن الطواف لا تشترط له الطهارة لأن الله تعالى قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (فلم يشترط له الطهارة، والأحاديث التي أشارت لاشتراطها لا تقبل لأنها زيادة على القرآن والزيادة على النص نسخ، وقال الجمهور: بل الطهارة شرط لصحة الطواف، لحديث عائشة مرفوعًا(( غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) )، وحديث (( توضأ النبي(ثم طاف ) )، ولحديث (( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح الكلام فيه ) )ومن شروط الصلاة الطهارة وقد جعل الطواف كالصلاة، والآية وإن لم يصرح فيها بالطهارة لكن النبي (بَيَّنَ ذلك بيانًا شافيًا كافيًا وإن سلمنا أنها زيادة على النص فإن الزيادة على النص ليست نسخًا، واختار أبو العباس أن الطهارة للطواف مستحبة وليست شرطًا لا لأنه يقول بقاعدة الحنفية وإنما لعدم الدليل الصريح الموجب للطهارة، ولبحث المسألة موضع آخر والمهم أن تعرف مآخذ العلماء في اختلافهم وأنهم اختلفوا في هذا الفرع بسبب خلافهم في هذه القاعدة.

ومنها: الطمأنينة في الركوع والسجود، فقال الحنفية: ليست الطمأنينة شرطًا في صحتهما بل تكفي صورتهما فقط، وذلك لأن الله تعالى قال: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (فلم يأمر إلا بما يسمى ركوعًا وسجودًا، ولم يتعرض للطمأنينة فلو زدنا اشتراطها على مسمى الركوع والسجود لزدنا على القرآن والزيادة على النص نسخ.

وقال الجمهور: بل الطمأنينة ركن من أركان الصلاة في ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها على خلاف بينهم في تحديدها واستدلوا على ذلك بحديث المسيء صلاته وهو حديث في الصحيحين وفيه أن النبي (كان قال للرجل:(( ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ) )وقال: (( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ) )وهذا بيان لما في القرآن، وإن سلمنا أنه زيادة عليه فليست الزيادة على القرآن نسخ وهذا القول هو الراجح لصراحة الدليل وصحته، والله أعلم.

ومنها: زيادة التغريب على الجلد في حد الزاني البكر، فإن العلماء قد اتفقوا على أن البكر إذا زنى فإنه يجلد مائة، لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (ولكن اختلفوا في تغريبه عامًا، فقالت الحنفية: لا يغرب لأن التغريب زيادة على ما في القرآن والزيادة على القرآن نسخ، وقال الجمهور: بل يغرب عامًا كما في حديث عبادة(( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) )، وزيادة التغريب ليست نسخًا لأن الزيادة على النص ليست نسخًا، وهذا القول هو الراجح لصحة الحديث وصراحته.

ومنها: القضاء بالشاهد واليمين، فإن القرآن إنما أثبت في الأموال شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وذلك في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (فقال الحنفية لا يقضى بالشاهد واليمين لأنها لم تذكر في القرآن وإنما ذكر في القرآن ما تقدم فإثبات الحكم بالشاهد واليمين زيادة على القرآن والزيادة على النص نسخ، وقال أكثر العلماء بإثباتها لصحة السنة بها، وهي وإن كانت زيادة على ما في القرآن لكن الزيادة على النص ليست نسخًا عندنا، وهذا القول هو الراجح بلا شك، والله أعلم.

ومنها: الرقبة في كفارة اليمين لم يرد لها تقييد بالإيمان في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (فالقرآن أطلق هذه الرقبة، فقال الحنفية: ليس من شرط صحة العتق هنا الإيمان بل لو أعتق رقبة كافرة صلح ذلك لأن الإيمان وصف زائد على ما في القرآن والزيادة على النص نسخ، وقال الجمهور: بل يشترط لصحتها الإيمان لقوله:(( فأعتقها فإنها مؤمنة ) )وقياسًا على كفارة القتل فإنه اشترط فيها الإيمان، ولأن تحرير المؤمن من الرق أمر مقصود شرعًا ولذلك شرعت السراية والسعاية وأما الكافر فلا فائدة في تحريره بل بقاؤه في الرق هو الأنسب بل سبب رقه كفره، ولعل هذا القول هو الأقرب، وعلى العموم فزيادة وصف الإيمان هنا لو ثبت بهذه الأدلة فلا يكون زيادة على النص بل بيان له وإن سلمنا أنه زيادة فالزيادة على النص ليست نسخًا، والله أعلم.

ومنها: المضمضة والاستنشاق، قال الحنفية: إنهما سنة في الوضوء وفرض في الغسل، أما كونهما سنة في الوضوء فلأن آية الوضوء لم تذكرهما وإنما ذكرت الأعضاء الأربعة وأمّا المضمضة والاستنشاق فقد ثبتا بالسنة الآحادية، فلو قلنا بأنهما واجبان كالأعضاء الأربعة لزدنا على القرآن والزيادة على النص نسخ، وأيضًا: يدل على أنهما سنة حديث"المضمضة والاستنشاق سنة"،وحديث"عشر من السنة"وذكر فيها المضمضة والاستنشاق، وذهب الحنابلة وغيرهم إلى وجوبهما بأدلة كثيرة يطول المقام بذكرها وقد استوفيتها في شرح"أخصر المختصرات"تدل الناظر فيها أن الراجح هو القول بوجوبهما، وأما قولهم هي زيادة على آية الوضوء فلا نسلمه بل هما بيان لقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (فهما من الوجه لدخولهما في حده، وإن سلمنا أنهما زيادة فلا ترد بذلك لأن الزيادة على النص ليست نسخًا، وأما حديث"عشر من السنة"فليس هكذا لفظه وإنما هو عند مسلم وغيره بلفظ"عشر من الفطرة"، وإن سلمنا لفظهم هذا فليس بالمراد بالسنة ما تعارف عليه الفقهاء وإنما المراد به الطريقة والهدي، والمصطلحات الحادثة لا تكون حاكمة على الأدلة الشرعية، وأما حديث"المضمضة والاستنشاق سنة"فقد رواه الدارقطني لكن سنده لا تقوم به حجة، وقد ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره، فتبين لك بذلك أن الراجح هو القول بوجوبهما وأن زيادتهما إنما هي زيادة بيانية لا ابتدائية، والعجب كل العجب من الحنفية فإنهم جعلوا المضمضة والاستنشاق فرضًا في الغسل فمن أين لهم ذلك وليس معهم إلا قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (ففي هذه الآية إنما أمر بالتطهر وليس فيه ذكر للمضمضة والاستنشاق أفليست هذه زيادة على القرآن؟ بلى ولكن لم يردوها وردوها في الوضوء، مع أن الأمر في الأحاديث بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء من الصراحة والصحة والوضوح ما يعرفه من وقف عليها، ولا أعلم دليلًا واحدًا من السنة يأمر بالمضمضة والاستنشاق في الغسل، ومع ذلك رد الأحناف الأحاديث الصحيحة الصريحة بحجة أنها زيادة على القرآن وأثبتوا شيئًا ليس عليه دليل لا من السنة ولا من القرآن، بل الدليل على خلافه، فإن القول الصحيح أن المضمضة والاستنشاق في الغسل سنة وليست فرضًا لحديث أم سلمة عند مسلم:"إني امرأة أشد شعر رأسي أفأنفضه لغسل الجنابة"، وفي رواية"والحيضة"قال:(( لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين ) )ولم يأمرها بهما وهي جاهلة وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لكن الأمر انقلب عليهم رحمهم الله رحمة واسعة وغفر لهم وتجاوز عنهم، والله أعلم.

ولعل ما توجنا به هذه القاعدة من الفروع يكفي إن شاء الله تعالى في فهمها، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 68) وأصول السرخسي - (ج 1 / ص 112) وكشف الأسرار - (ج 6 / ص 19) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 299) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 5 / ص 98) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 1 / ص 460) والتلخيص في أصول الفقه / لإمام الحرمين - (ج 2 / ص 215) والبرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 160) شرح زاد المستقنع - (ج 375 / ص 4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت