فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 463

؛ أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ (1)

(1) - قال الجصاص رحمه الله في الفصول في الأصول - (ج 1 / ص 228) بَابٌ الْقَوْلُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ /218 قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ .

فَالْحَقِيقَةُ مَا سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَمَوْضُوعِهَا وَالْمَجَازُ ( هُوَ ) مَا يَجُوزُ بِهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ وَسُمِّيَ بِهِ مَا لَيْسَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .

وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحُدُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا لَا يَنْتَفِي عَنْ مُسَمَّيَاتِهِ بِحَالٍ .

وَالْمَجَازُ مَا يَنْتَفِي عَنْ مُسَمَّيَاتِهِ بِحَالٍ .

نَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا سَمَّيْنَا الْجَدَّ أَبًا وَالْأَبَ الْأَدْنَى أَبًا فَإِنَّ اسْمَ الْأَبِ قَدْ يَنْتَفِي عَنْ الْجَدِّ بِحَالٍ بِأَنْ نَقُولَ لَيْسَ هَذَا بِأَبِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا يَنْتَفِي ذَلِكَ عَنْ الْأَبِ الْأَدْنَى .

وَالْمَجَازُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا: إطْلَاقُ اللَّفْظِ مَعَ حَذْفِ كَلِمَةٍ يُرِيدُهَا وَلَمْ يَلْفِظْ بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وَمَعْنَاهُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَحَذَفَ الْأَوْلِيَاءَ وَهُوَ يُرِيدُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَلْحَقُهُ الْأَذَى وَلَا الْمَنَافِعُ ، وَ ( لَا ) الْمَضَارُّ وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } وَمَعْنَاهُ ( وَ ) اسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ .

وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً لَكَانَتْ الْقَرْيَةُ هِيَ الْمَسْئُولَةَ ، وَمُحَالٌ مَسْأَلَةُ الْجُدْرَانِ .

فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ يُسَمَّوْنَ قَرْيَةً إذَا كَانُوا فِيهَا .

قِيلَ لَهُ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ مَتَى أَشَرْنَا إلَى رِجَالٍ فِي الْقَرْيَةِ أَنْ نَقُولَ هَؤُلَاءِ قَرْيَةٌ نُرِيدُ بِهِ الرِّجَالَ دُونَ الْبُنْيَانِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ إطْلَاقًا عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ ( وَلَكَانَ جَائِزًا ) أَنْ يُسَمَّى هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْقَرْيَةِ فَنَقُولُ إنَّهُمْ قَرْيَةٌ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهُمْ حَقِيقَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَنْفِي الْمَجَازَ وَأَنْ لَا يَمْنَعَ خُرُوجُهُمْ مِنْهَا إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ قَرْيَةٌ كَمَا لَا يَمْنَعُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ رِجَالٌ حَيْثُ كَانُوا ،فَدَلَّ امْتِنَاعُ إطْلَاقِ اسْمِ الْقَرْيَةِ عَلَى جَمَاعَةِ رِجَالٍ أَنَّ الْقَرْيَةَ لَا تَكُونُ اسْمًا لِلرِّجَالِ بِحَالٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ: { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } اقْتَضَى إضْمَارَ أَهْلِهَا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِزِيَادَةِ ( حَرْفِ لَيْسَ ) مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وَمُرَادُهُ لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عَنْ مِثْلِهِ إذْ هُوَ ( تَعَالَى ) لَا مِثْلَ لَهُ فَصَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ التَّشْبِيهِ عَنْهُ رَأْسًا وَأَنَّ مَعْنَاهُ ( أَنْ ) لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ وَقَدْ وُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .

وَقَالَ الشَّاعِرُ: وغيرُ وَدٍّ جاذِلٍ أَو وَدَّيْنْ ... وصالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ

وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ كَنِصْفِ الْجَفْنَةِ وَالْكَافُ زَائِدَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِوَضْعِ ( لَفْظٍ ) مَكَانَ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } يَعْنِي فِي أَمْرِ اللَّهِ يُعَبَّرُ عَنْ الْأَمْرِ بِالْجَنْبِ ، وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إبْرَاهِيمَ ( خَلِيلِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } وَأَرَادَ بِهِ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ فَعَبَّرَ عَنْ الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهِ يَكُونُ مِنْ الْعِبَادِ وَقَالَ تَعَالَى { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } يَعْنِي لُغَةً لِأَنَّ اللُّغَةَ بِاللِّسَانِ تَظْهَرُ .

{ وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَطَبَنِي أَبُو الْجَهْمِ فِي جُمْلَةِ مَنْ خَطَبَهَا فَقَالَ أَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ } يَعْنِي أَنَّهُ يَضْرِبُ النِّسَاءَ فَجَعَلَ هَذَا اللَّفْظَ عِبَارَةً عَنْ الضَّرْبِ وَقَدْ عُقِلَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي وَصْفِهِ بِضَرْبِ النِّسَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } يَعْنِي عَنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ لِأَنَّ مَنْ عَنِيَ أَمْرًا عَظِيمًا شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ .

وَمِنْهُ مَا يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فَيُحْذَفُ حَرْفُ التَّشْبِيهِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِالْمُرَادِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَالصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ فِي عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِمَا سَمِعُوا وَأَبْصَرُوا وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ: فَإِنَّك شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ إذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ

يَعْنِي أَنَّك كَالشَّمْسِ .

وَقَالَ آخَرُ:

وَكُنَّا حَسَبْنَا كُلَّ أَسْوَدَ تَمْرَةً لَيَالِيَ لَاقَيْنَا جُذَامَ وَحِمْيَرَا

فَلَمَّا قَرَعْنَا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ أَبَتْ عِيدَانُهُ أَنْ تَكَسَّرَا

سَقَيْنَاهُمْ كَأْسًا سَقَوْنَا بِمِثْلِهِ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْمَوْتِ أَصْبَرَا .

فَقَالَ كُنَّا حَسَبْنَا كُلَّ أَسْوَدَ تَمْرَةً فَهُمْ مَا حَسِبُوا كُلَّ أَسْوَدَ تَمْرَةً قَطُّ .

وَالْمَعْنَى مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مُرَادَهُ وَكُنَّا كَمَنْ حَسِبَ كُلَّ أَسْوَدَ تَمْرَةً فِي إقْدَامِنَا عَلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ( وَ ) طَمِعْنَا فِيهِمْ وَاسْتِهَانَتُنَا بِأَمْرِهِمْ ثُمَّ قَالَ قَرَعْنَا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَعُوا النَّبْعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ ذَلِكَ قَطُّ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّا لَمَّا قَارَعْنَاهُمْ وَجَالَدْنَاهُمْ ثَبَتُوا لَنَا تَشْبِيهًا بَعِيدَانِ النَّبْعِ إذَا قُرِعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَلَا تَنْكَسِرُ لِصَلَابَتِهَا ثُمَّ قَالَ سَقَيْنَاهُمْ كَأْسًا سَقَوْنَا بِمِثْلِهِ وَمَا كَانَ هُنَاكَ كَأْسٌ وَلَا سَقْيٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ قَتَلْنَا مِنْهُمْ وَقَتَلُوا مِنَّا وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْمَوْتِ أَصْبَرَا يَعْنِي أَجْرَأَ مِنَّا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } يَعْنِي فَمَا أَجْرَأَهُمْ لِأَنَّهُ لَا صَبْرَ لِأَحَدٍ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَكَرَ الشَّاعِرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَهِيَ مَجَازٌ وَهِيَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ وَجَيِّدِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ الْحَقِيقَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

وَمِنْهُ أَنْ يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُجَازَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمَهُ وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ إذَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى { قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } .

وَلَيْسَ ( ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ اسْتِهْزَاءً ) فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ حِينَ أَخْبَرَ عَنْ جَزَاءِ الِاسْتِهْزَاءِ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } وَالْجَزَاءُ لَيْسَ تَشْبِيهًا وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ فِي مُقَابَلَتِهَا وَمُسْتَحَقَّةً مِنْ أَجَلِهَا .

وَتَقُولُ الْعَرَبُ الْجَزَاءُ بِالْجَزَاءِ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ فَسَمَّاهُ بِاسْمِ مَا يُقَابِلُهُ .

وَمِمَّا يُسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ لِلْمُجَاوَرَةِ أَوْ لِأَنَّهُ ( مِنْهُ ) بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ لِلْمَزَادَةِ ( وَ ) السِّقَاءِ رَاوِيَةٌ وَالرَّاوِيَةُ اسْمٌ لِلْجَمَلِ الَّذِي يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ .

وَقَالَ أَبُو النَّجْمِ: تَمْشِي مِنْ الرِّدَّةِ مَشْيَ الْجَفْلِ مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الْأَثْقَلِ

سُمِّيَتْ بِاسْمِ الْجَمَلِ لِلْمُجَاوَرَةِ .

وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلشَّاهِ الَّتِي تُذْبَحُ عِنْدَ حَلْقِ رَأْسِ الصَّبِيِّ عَقِيقَةٌ .

وَالْعَقِيقَةُ اسْمٌ لِلشَّعْرِ نَفْسِهِ فَسُمِّيَتْ الشَّاةُ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ كَانَ ( هُوَ ) سَبَبَهَا .

وَمِنْهُ الْغَائِطُ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ وَكَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي مِثْلِهِ فَسُمِّيَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِنْسَانِ بِهِ لِقُرْبِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى جِهَةِ الْكِنَايَةِ .

وَمِنْهُ الْجِمَاعُ كُنِّيَ عَنْهُ بِاللَّمْسِ ( وَ ) بِالدُّخُولِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فِي اللُّغَةِ .

وَرُبَّمَا كَانَ الْمَجَازُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَبْلَغَ وَأَحْسَنَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ فِيهِ وَهَذَا مَا لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ وَقَدْ وَضَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ كُتُبًا فِي الْمَجَازِ وَقَالُوا هَذَا ( اللَّفْظُ ) مَجَازٌ وَهَذَا حَقِيقَةٌ مَشْهُورٌ ذَلِكَ عَنْهُمْ ( مُتَعَارَفٌ ) مُتَعَالَمٌ بَيْنَهُمْ .

وَرُبَّمَا سُمِّيَ الشَّيْءُ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لَهُ بِحَالٍ عَلَى وَجْهٍ يَعْتَبِرُ الْمُخَاطَبُ بِهِ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ كَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: { وَانْظُرْ إلَى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } يَعْنِي الَّذِي فِي زَعْمِك أَنَّهُ إلَهُك وقَوْله تَعَالَى { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ } يَعْنِي الَّذِينَ يَزْعُمُونَ بِأَنَّهُمْ آلِهَتَهُمْ ، وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى { ذُقْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } يَعْنِي إنَّك كُنْت فِي زَعْمِك كَذَلِكَ .

وَقَدْ أَبَى بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ( ذَلِكَ ) بِغَيْرِ دِرَايَةٍ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي اللُّغَةِ اسْتِعَارَةٌ وَأَجَازَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُطْلَقَ الْقَوْلُ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَمَنَعَ لَفْظَ الِاسْتِعَارَةِ وَأَعْطَى الْمَعْنَى وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ هُوَ الْآخِذُ لِمَا لَيْسَ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى

فَيُقَالُ لَهُ: فَقَدْ أَعْطَيْتنَا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا أُطْلِقَ ( عَلَى ) جِهَةِ التَّشْبِيهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ التَّحْقِيقُ فَكَأَنَّك إنَّمَا خَالَفْتنَا فِي الْعِبَارَةِ دُونَ الْمَعْنَى وَالْمُضَايَقَةُ فِي الْعِبَارَةِ بَعْدَ الْمُدَافَعَةِ عَلَى الْمَعْنَى لَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهَا .

وَلَكِنَّا نَقُولُ فِي ذَلِكَ إنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الِاسْتِعَارَةِ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا لَفْظَةً حَقِيقَةً فِي مَوْضِعٍ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ سَمَّوْهُ مَجَازًا تَارَةً وَاتِّسَاعًا أُخْرَى ( وَاسْتِعَارَةً أُخْرَى ) لِيُفِيدُوا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ إطْلَاقُهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ فِي مَوْضُوعِ اللِّسَانِ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ إفْهَامًا لِلْمُخَاطَبِينَ وَسَمَّوْهُ اسْتِعَارَةً لِأَنَّ الِاسْمَ مَوْضُوعٌ لِغَيْرِهِ فِي الْأَصْلِ وَسُمِّيَ هَذَا بِاسْمِهِ وَلَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَعَارَ شَيْئًا لِأَنَّ لِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ النَّاسَ اللُّغَاتِ ( وَهَدَاهُمْ إلَيْهَا ) .

وَلَكِنَّا نَقُولُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } .

وَقَالَ { إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } وَكَانَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوهِ الْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَاتِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ خَاطَبَنَا بِمَا فِي لُغَتِهَا مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ سَمَّوْا ذَلِكَ اسْتِعَارَةً بِوَاجِبٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ اسْتَعَارَ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ خَاطَبَنَا بِمَا هُوَ اسْتِعَارَةٌ فِي اللُّغَةِ وَمَجَازٌ وَاتِّسَاعٌ فِيهَا لَا عَلَى حَقِيقَةِ مَوْضُوعِهَا فِي الْأَصْلِ ، وَالْأَصْلُ فِي أَلْفَاظِ الْمَجَازِ أَنَّ طَرِيقَهَا السَّمْعُ وَمَا وَرَدَ مِنْهَا فِي اللُّغَةِ ، وَلَيْسَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّى بِهَا مَوَاضِعَهَا الَّتِي تَكَلَّمَتْ الْعَرَبُ بِهَا .

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ اللَّهَ وَيَقْتُلُونَ اللَّهَ وَيُرِيدُ ( بِهِ ) يَضْرِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ أَوْلِيَاءَهُ لِأَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ } وَمُرَادُهُ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ ( اللَّهِ ) فَلَا يُسْتَعْمَلُ الْمَجَازُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَحُكْمُ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْحَقِيقَةِ أَبَدًا حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْمَجَازِ .

وَالْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ أَسْمَاءِ الْمَجَازِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ أَوْ الِاتِّفَاقِ .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا كَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ تَكَلَّمَتْ بِمَا سَمَّيْته مَجَازًا وَبِالْحَقِيقَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهَا فَمَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ مَا سَمَّيْته حَقِيقَةً إنَّمَا صَارَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكَلَّمَتْ بِهِ .

قِيلَ لَهُ: لَمْ يَكُنِ الْحَقِيقَةُ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْعَرَبَ إنْ تَكَلَّمَتْ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ تَكَلَّمَتْ بِهِ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ ثُمَّ تَجَاوَزَتْ ذَلِكَ فَسَمَّتْ بِهِ مَا لَيْسَ الِاسْمُ لَهُ فِي الْأَصْلِ تَشْبِيهًا بِهِ وَاتِّسَاعًا فِي لُغَتِهَا ( وَ ) اكْتِفَاءً بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِالْمُرَادِ فَلَمْ تُسَمِّ ذَلِكَ حَقِيقَةً .

فَأَفَدْنَا بِقَوْلِنَا حَقِيقَةً أَنَّهُ اسْمٌ لَهُ فِي مَوْضُوعِ اللُّغَةِ فَسُمِّيَ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَيُفِيدُ بِقَوْلِنَا مَجَازًا أَنَّهُ مُسَمًّى بِاسْمِ غَيْرِهِ فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَا ( نَتَعَدَّى بِهَا ) مَوَاضِعَهَا وَلَا يَجْرِي عَلَى غَيْرِهَا وَإِنْ شَارَكَتْ الْأَوَّلَ فِي مَعَانِيهِ فَإِنْ كُنْت إنَّمَا أَنْكَرْت اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى فَإِنَّا لَا نُضَايِقُك فِي اللَّفْظِ سَمِّهِ أَنْتَ بِمَا شِئْت بَعْدَ أَنْ تُوَافِقَ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كُنْت إنَّمَا خَالَفْت ( بِهِ ) فِي الْمَعْنَى رَدَدْنَاك إلَى اللُّغَةِ وَأَرَيْنَاك صِحَّةَ مَا ادَّعَيْنَاهُ فِيهَا بِمَا لَا يُمْكِنُك دَفْعُهُ مَتَى أَنْصَفْت نَفْسَك وَحَكَّمْت عَقْلَك وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ طَرَفًا وَذِكْرُ جَمِيعِهِ يَعْجِزُ عَنْهُ الْكِتَابُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

وَقَدْ يَكُونُ لَفْظٌ وَاحِدٌ يَتَنَاوَلُ ضِدَّيْنِ عَلَى جِهَةِ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا جَمِيعًا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمَا وَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ .

وَقَدْ ذَكَرَ قُطْرُبٌ النَّحْوِيُّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا نَحْوُ الْجَوْنِ أَنَّهُ اسْمٌ ( لِلْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ ) وَالْمَسْجُورُ اسْمٌ لِلْفَارِغِ وَالْمَلْآنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ .

( وَ ) مِمَّا يَكُونُ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً فِي الْآخَرِ نَحْوُ الْقُرْءِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ لِلْحَيْضِ مَجَازٌ لِلطُّهْرِ وَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجَازٌ لِلْعَقْدِ وَقَدْ أَبَى بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ وَاحِدٌ لِمَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ وَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ يَجْرِي مَجْرَى الْهَذَيَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ أَنْ يُمْكِنَ أَحَدًا دَفْعُهُ وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ هَذَا الرَّادُّ عَلَى قُطْرُبٍ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَعَانٍ بَعِيدَةٍ مُتَعَسِّفَةٍ .

وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ ( الْكَرْخِيُّ ) يَقُولُ فِي اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَا جَمِيعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ .

وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي أَضْعَافِ مَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَبَيَّنَّا قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِيهِ فَمَتَى وَرَدَ لَفْظٌ يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ .

فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا احْتَجْنَا إلَى دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ فِي إثْبَاتِ الْمُرَادِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ بِأَوْلَى ( بِهِ ) مِنْ الْآخَرِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرِيدَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ كَانَ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْمَجَازِ

الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْحَقِيقَةِ مُشْتَرَكٌ ، إذْ قَدْ يُرَادُ بِهِ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحْدَهُ وَيُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ ؛ وَلَكِنْ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَلْفَاظِ أُرِيدَ بِهِ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ .

وَالْمَجَازُ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَا اُسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ بِسَبَبِ الْمُشَابَهَةِ فِي خَاصِّيَّةٍ مَشْهُورَةٍ كَقَوْلِهِمْ لِلشُّجَاعِ أَسَدٌ وَلِلْبَلِيدِ حِمَارٌ ، فَلَوْ سُمِّيَ الْأَبْخَرُ أَسَدًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْبَخَرَ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي حَقِّ الْأَسَدِ الثَّانِي: الزِّيَادَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فَإِنَّ الْكَافَ وُضِعَتْ لِلْإِفَادَةِ ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفِيدُ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْوَضْعُ الثَّالِثُ: النُّقْصَانُ الَّذِي لَا يُبْطِلُ التَّفْهِيمَ ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } وَالْمَعْنَى: وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ .

وَهَذَا النُّقْصَانُ اعْتَادَتْهُ الْعَرَبُ فَهُوَ تَوَسُّعٌ وَتَجَوُّزٌ .

وَقَدْ يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِإِحْدَى عَلَامَاتٍ أَرْبَعَ الْأُولَى: أَنَّ الْحَقِيقَةَ جَارِيَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي نَظَائِرِهِ ، إذْ قَوْلُنَا عَالِمٌ لَمَّا عُنِيَ بِهِ ذُو عِلْمٍ صَدَقَ عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ وَقَوْلُهُ { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْجَمَادَاتِ لِإِرَادَةِ صَاحِبِ الْقَرْيَةِ ، وَلَا يُقَالُ: سَلْ الْبِسَاطَ وَالْكُوزَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ سَلْ الطَّلَلَ وَالرَّبْعَ لِقُرْبِهِ مِنْ الْمَجَازِ الْمُسْتَعْمَلِ .

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْرَفَ بِامْتِنَاعِ الِاشْتِقَاقِ عَلَيْهِ ، إذْ الْأَمْرُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي حَقِيقَتِهِ اُشْتُقَّ مِنْهُ اسْمُ الْآمِرِ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّأْنِ مَجَازًا لَمْ يُشْتَقَّ مِنْهُ آمِرٌ ، وَالشَّأْنُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: { إذَا جَاءَ أَمْرُنَا } الثَّالِثَةُ: أَنْ تَخْتَلِفَ صِيغَةُ الْجَمْعِ عَلَى الِاسْمِ فَيُعْلَمَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا ، إذْ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ يُجْمَعُ عَلَى أَوَامِرَ ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الشَّأْنُ يُجْمَعُ عَلَى أُمُورٍ .

الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْحَقِيقِيَّ إذَا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْغَيْرِ ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَالْقُدْرَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ كَانَ لَهَا مَقْدُورٌ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْمَقْدُورُ كَالنَّبَاتِ الْحَسَنِ الْعَجِيبِ ، إذْ يُقَالُ: اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ إلَى عَجَائِبِ مَقْدُورَاتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ ، إذْ النَّبَاتُ لَا مَقْدُورَ لَهُ .

وَاعْلَمْ أَنَّ كُلّ مَجَازٍ فَلَهُ حَقِيقَةٌ .

وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ حَقِيقَةٍ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَجَازٌ ، بَلْ ضَرْبَانِ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا يَدْخُلُهُمَا الْمَجَازُ ، الْأَوَّلُ: أَسْمَاءُ الْأَعْلَامِ نَحْوَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو ؛ لِأَنَّهَا أَسَامٍ وُضِعَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذَّوَاتِ لَا لِلْفَرْقِ فِي الصِّفَاتِ .

نَعَمْ الْمَوْضُوعُ لِلصِّفَاتِ قَدْ يُجْعَلُ عَلَمًا فَيَكُونُ مَجَازًا ، كَالْأَسْوَدِ بْنِ الْحَارِثِ إذْ لَا يُرَادُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى الصِّفَةِ مَعَ أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ فَهُوَ مَجَازٌ .

أَمَّا إذَا قَالَ: قَرَأْتُ الْمُزَنِيَّ وَسِيبَوَيْهِ وَهُوَ يُرِيدُ كِتَابَيْهِمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ حَذْفِ اسْمِ الْكِتَابِ ، مَعْنَاهُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الْمُزَنِيِّ ، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ مَجَازٌ بِالْمَعْنَى الثَّالِث الْمَذْكُور لِلْمَجَازِ الثَّانِي: الْأَسْمَاء الَّتِي لَا أَعَمّ مِنْهَا وَلَا أَبْعَد ، كَالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُول وَالْمَدْلُول وَالْمَذْكُور ، إذْ لَا شَيْءَ إلَّا وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا عَنْ شَيْءٍ ؟ هَذَا تَمَامُ الْمُقَدِّمَةِ .

.الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 6199و6201) وأصول السرخسي - (ج 1 / ص 170) والأحكام للآمدي - (ج 1 / ص 28) والمحصول - (ج 1 / ص 285) واللمع - (ج 1 / ص 58) والمستصفى - (ج 1 / ص 467) وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية - (ج 3 / ص 470) وكشف الأسرار - (ج 1 / ص 170) والبحر المحيط - (ج 2 / ص 318) والتقرير والتحبير - (ج 1 / ص 427) والأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 113) وشرح الكوكب المنير - (ج 1 / ص 88) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 1 / ص 52) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 2 / ص 377) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 2 / ص 486) وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 41) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 1 / ص 236) والتلخيص في أصول الفقه / لإمام الحرمين - (ج 1 / ص 30) والتنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين - (ج 1 / ص 5) وغاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص 39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت