.وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ (1)
(1) - وفي البحر المحيط - (ج 5 / ص 379) مَسْأَلَةٌ [ إنْكَارُ الشَّيْخِ مَا حَدَّثَ بِهِ ] إذَا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيثًا ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّيْخُ فَأَنْكَرَهُ ، فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُكَذِّبَ الرَّاوِيَ عَنْهُ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ: كَذَبَ عَلَيَّ مَا رَوَيْت لَهُ هَذَا قَطُّ .
فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْقَاضِيَ عَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ .
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي"الْقَوَاطِعِ": إنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْعُ جَازِمًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
وَيَصِيرُ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ ، فَيُرَدُّ مَا جَحَدَهُ الْأَصْلُ ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ فَرْعُهُ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبٌ لِلْآخَرِ فِيمَا يَدَّعِيهِ ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا قَطْعًا ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ كَذِبُ الْفَرْعِ بِتَكْذِيبِ الْأَصْلِ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ ، بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرْحًا لِلْفَرْعِ ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُكَذِّبُ شَيْخَهُ فِي نَفْيِهِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، فَتَسَاقَطَا .
وَيُرَدُّ مِنْ حَدِيثِ الْفَرْعِ مَا نَفَى الْأَصْلُ تَحْدِيثَهُ بِهِ خَاصَّةً ، وَلَا يُرَدُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَصْلِ نَفْسِهِ إذَا حَدَّثَ بِهِ ، كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ ، وَكَذَا إذَا حَدَّثَ بِهِ فَرْعٌ آخَرُ ثِقَةً عَنْهُ ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ الْأَصْلُ فَهُوَ مَقْبُولٌ ، وَنَقَلَ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الرَّدِّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ .
أَحَدُهُمَا: التَّوَقُّفُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ أَمْرَانِ ، قَطَعَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ بِكَذِبِ الرَّاوِي ، وَقَطَعَ النَّاقِلُ بِالنَّقْلِ ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي"الْعُدَّةِ"وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ .
وَنَقَلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَطَعَ بِالرَّدِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ ، وَقَالَ: الَّذِي الْتَزَمَهُ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ"التَّوَقُّفُ ، وَهُوَ عَيْنُ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ .
قَالَ: وَهَذَا كَخَبَرَيْنِ تَعَارَضَا ، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاقَطَا أَوْ يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا إنْ أَمْكَنَ .
قُلْت: رَوَى الْخَطِيبُ فِي"الْكِفَايَةِ"بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْقَاضِي مِثْلَ مَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَعَابَهُ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ".
فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَعْلَمُ أَنِّي مَا حَدَّثْته ، فَقَدْ كَذَّبَ ، فَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ شَيْخِهِ لَهُ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ .
فَيَجِبُ إيقَافُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَرْجِعُ فِي الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ ، وَيُجْعَلُ بِمَثَابَةِ مَا لَمْ يَرِدْ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرْوِيَهُ الشَّيْخُ مَعَ قَوْلِهِ: إنِّي لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ هَذَا الرَّاوِي عَنِّي ، فَيُعْمَلُ فِيهِ بِرِوَايَتِهِ دُونَ رِوَايَتِهِ عَنْهُ .ا هـ .
وَالثَّانِي: أَنَّ تَكْذِيبَ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ لَا يُسْقِطَ الْمَرْوِيَّ ، وَلِهَذَا لَوْ اجْتَمَعَا فِي شَهَادَةٍ لَمْ تُرَدَّ ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ .وَأَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي"الْقَوَاطِعِ".قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّهَادَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الشَّهَادَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ، بِخِلَافِ الْخَبَرِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا فَقَالَا: لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَرْعِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ الْأَصْلِ .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ فِعْلًا بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِ الْخَبَرِ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ ، فَلَا يَكُونُ تَكْذِيبًا بِوَجْهٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ التَّارِيخَ حُمِلَ عَلَيْهِ تَحَرِّيًا لِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ ، نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ مَا عُمِلَ بِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا ؛ لِأَنَّ بَابَ التَّأْوِيلِ فِي الْأَخْبَارِ غَيْرُ مَسْدُودٍ ، لَكِنْ لَا يَكُونُ حُجَّةً ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بِرَأْيِهِ لَا يَلْزَمُ غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ لَا يَحْتَمِلُ مَا عُمِلَ بِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي"شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ".
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلِ لِأَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ مُطْلَقًا .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ تَرْكًا ، فَإِنْ امْتَنَعَ الشَّيْخُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ صِحَّتَهُ لَمَا امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ ، وَلَهُ حُكْمُ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ .
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يُصَرِّحَ الْأَصْلُ بِتَكْذِيبِهِ ، وَلَكِنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ ، أَوْ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ أَوْ لَا أَعْرِفُهُ ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنِّي مَا حَدَّثْتُك ، وَالْفَرْعُ جَازِمٌ بِهِ .
فَهَاهُنَا تَوَقَّفَ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ التَّوَقُّفِ ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي"التَّقْرِيبِ"لِلْقَاضِي .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ لِلْفَرْعِ الذَّاكِرِ ، أَوْ الْأَصْلِ النَّاسِي ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى الْأَوَّلِ ، وَوَافَقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَنَّ نِسْيَانَ الْأَصْلِ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ .قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الدَّهْمَاءِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ تَارِكًا لَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي النَّاسِي لِمَا رَوَاهُ وَقْتَ رِوَايَتِهِ بِصِفَةِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ ، وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي"التَّقْرِيبِ": هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِأَسْرِهِمْ ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَادَّعَاهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .قَالَ: وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِقَبُولِ الْحَدِيثِ وَإِيجَابِ الْعِلْمِ بِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ تَفْصِيلٌ وَنَزَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ، وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَالرَّازِيَّ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ، وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا } الْخَبَرُ ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ: الزُّهْرِيُّ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ ، وَكَذَا حَدِيثُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .
وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ حَكَاهُ وَجْهًا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ ، وَنَقَلَهُ شَارِحُ"اللُّمَعِ"عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ ، وَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَهُ إلَّا الَّذِي نَسِيَهُ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ .لَنَا أَنَّ الرَّاوِي عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ لِحُصُولِ الْيَقِينِ ، وَتَوَقُّفُ الشَّيْخِ لَيْسَ بِمُعَارِضٍ ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الشَّيْخِ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنِّي ، وَيُعْمَلُ بِهِ .
قَالَ الْقَرَافِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حَمَلْتُمْ النِّسْيَانَ عَلَى الْكَلَامِيِّ وَتَعْرِيفَهُمْ ؟ قِيلَ لَهُ: النِّسْيَانُ لَمْ يَقَع مِنْهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلِأَجْلِ هَذَا الْخِلَافِ كَرِهَ جَمَاعَةٌ الرِّوَايَةَ عَنْ الْأَحْيَاءِ ، مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي"الْكِفَايَةِ"، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي"الْمَدْخَلِ"أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ رَوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ حِكَايَةً ، فَأَنْكَرَهَا الشَّافِعِيُّ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا ، وَقَالَ: لَا تُحَدِّثْ عَنْ حَيٍّ ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ .
وَفَصَّلَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ ، وَاعْتَادَ ذَلِكَ فِي مَحْفُوظَاتِهِ ، فَيُقْبَلُ ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى جَهْلِهِ أَصْلًا بِذَلِكَ الْخَبَرِ رَدَّهُ .
وَفَصَّلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ مِنَّا بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَسْتَقِلُّ ، فَإِنَّ التَّرَدُّدَ وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْ قَطْعَ الرَّاوِي ، لَكِنَّهُ يُورِثُ ضَعْفًا .
فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ خَبَرَيْنِ يَتَعَارَضَانِ ، وَأَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَوْثَقُ ، فَإِنَّ مُعَارَضَةَ الثَّانِي لَهُ تُخْرِجُهُ عَنْ أَحَدِ الْأَدِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ ، وَإِنْ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا ، فَهُوَ أَوْلَى ، فَإِنَّ مَا فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ مَزِيدِ وُضُوحٍ لَا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا .
قَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا إلَّا أَنَّا سَنَذْكُرُ تَرَدُّدًا فِي أَنَّ مَزِيَّةَ الْحَدِيثِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ أَوْ الْقِيَاسِ ، وَيَضْطَرِبُ الرَّاوِي فِيهِ ، سِيَّمَا إذَا كَانَ الْقِيَاسُ جَلِيًّا كَاَلَّذِي يُقَرِّرُونَهُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .
فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَكُمْ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ، فَعَلَى مَاذَا تَعْتَمِدُونَ مَا رَوَاهُ ؟ فَقِيلَ: رُوِيَ الْخَبَرُ الَّذِي تَرَدَّدَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرِ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ .
قَالَ: وَكَانَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَرَى الْخَبَرَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا ، مَعَ تَرَدُّدِ الشَّيْخِ ، وَلَكِنْ كَانَ يَرَى إذَا قَطَعَ الشَّيْخُ بِالرَّدِّ أَنَّ ذَاكَ يَمْنَعُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ .
قَالَ إلْكِيَا: وَمَنْ لَمْ يَسْلُكْ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكْنَاهُ لَا يَعْدَمُ مِنْ التَّعَرُّضِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ كَلَامًا مُخَيِّلًا ، فَإِنَّ قَطْعَ النَّافِي قَدْ لَا يُعَارِضُ قَطْعَ الْمُثْبِتِ ، فَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ رَوَاهُ ، ثُمَّ نَسِيَ ، وَظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ