وَقَالَ الْمُزَنِيّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ (1) : قَدْ ذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ دِينِهِ مَا ذَمَّهُ ، وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِنْ حُكْمِهِ مَا رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا هُمَا بِهِ ، وَمَا حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّتَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ .. وَتَوَسَّطَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ الِاتِّجَاهَيْنِ , فَرَأَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً , وَقَدْ يَكُونُ عَذَابًا . قَالَ (2) : النِّزَاعُ فِي الْأَحْكَامِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى شَرٍّ عَظِيمٍ مِنْ خَفَاءِ الْحُكْمِ ؛ وَلِهَذَا صَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا سَمَّاهُ"كِتَابُ الِاخْتِلَافِ"فَقَالَ أَحْمَد: سَمِّهِ"كِتَابَ السِّعَةِ"وَإِنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِبَعْضِ النَّاسِ خَفَاؤُهُ لِمَا فِي ظُهُورِهِ مِنْ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (101) سورة المائدة.
(1) - البحر المحيط - (ج 6 / ص 203) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 75)
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 14 / ص 159) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 3 / ص 238)