ج / 3 ص -122- - وَقُلْنَا: عَوْرَةُ الْأَمَةِ أَكْثَرُ مِنْ عَوْرَةِ الرَّجُلِ - وَجَبَ سَتْرُ الزِّيَادَةِ عَلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ أَيْضًا، لِاحْتِمَالِ الْأُنُوثَةِ - فَلَوْ خَالَفَ فَاقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ أَفْقَهُهُمَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ شَرْطٌ، وَشَكَكْنَا فِي حُصُولِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي فَصْلِ أَحْكَامِ الْخُنْثَى أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ وَالْقَاضِيَ أَبَا الْفُتُوحِ وَكَثِيرِينَ قَطَعُوا بِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِلشَّكِّ فِيهَا.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَوْرَةِ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ، وَعَوْرَةَ الْحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَوْرَةُ الرَّجُلِ مِنْ رُكْبَتِهِ إلَى سُرَّتِهِ وَلَيْسَتْ السُّرَّةُ عَوْرَةً. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَقَالَ دَاوُد وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَحَكَاهُ فِي التَّتِمَّةِ عَنْ عَطَاءَ عَوْرَتُهُ الْفَرْجَانِ فَقَطْ وَمِمَّنْ قَالَ عَوْرَةُ الْحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ قَدَمَاهَا أَيْضًا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا وَجْهَهَا فَقَطْ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّابِعِيِّ أَنَّ جَمِيعَ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ ، وَمِمَّنْ قَالَ: عَوْرَةُ الْأَمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا إذَا زُوِّجَتْ أَوْ تَسَرَّاهَا سَيِّدُهَا لَزِمَهَا سَتْرُ رَأْسِهَا وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ يَلْزَمُهَا سَتْرُ الرَّأْسِ فِي الصَّلَاةِ.
دَلِيلُنَا مَا سَبَقَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ:"كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ فَسَلِمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَان فِيهِ مَاءٌ قَدْ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتِهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهَا كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ"، فَهَذَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي الْمَكْشُوفِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ صَحَّ الْجَزْمُ بِكَشْفِ الْفَخِذِ تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَشْفُ بَعْضِ ثِيَابِهِ لَا كُلِّهَا ، قَالُوا: وَلِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ فَلَا عُمُومَ لَهَا وَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ"أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَزَا خَيْبَرَ فَأَجْرَى نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إنِّي لَأَنْظُرُ بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ انْكَشَفَ الْإِزَارُ وَانْحَسَرَ بِنَفْسِهِ لَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَعَمَّدَ كَشْفَهُ، بَلْ انْكَشَفَ لِإِجْرَاءِ الْفَرَسِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَانْحَسَرَ الْإِزَارُ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مُزَوَّجَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا إلَّا رِوَايَةً عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ الَّتِي أَسْكَنَهَا الزَّوْجُ مَنْزِلَهُ كَالْحُرَّةِ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ مِنْ ثَوْبٍ صَفِيقٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ وَرَقٍ، فَإِنْ سَتَرَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ لَوْنُ الْبَشَرَةِ مِنْ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ.