ج / 3 ص -118- الصِّحَّةُ، فَإِنْ بَسَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا طَاهِرًا صَحَّتْ وَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ لِمُرُورِ النَّاسِ وَفَوَاتِ الْخُشُوعِ، وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ فِيهَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يَحْرُمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْلَى، فَإِنْ صَلَّى فِيهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا.
الشرح: الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَصَحِيحَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْجُبَّائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: بَاطِلَةٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ الْأُصُولِيُّونَ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُمْ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ لَيْسَتْ اجْتِهَادِيَّةً، وَالْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّحَ الصَّلَاةَ أَخَذَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ وَمَنْ أَبْطَلَهَا أَخَذَهُ مِنْ التَّضَادِّ الَّذِي بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَدَّعِي كَوْنَ ذَلِكَ مُحَالًا بِالْعَقْلِ، فَالْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ، وَمَنْ صَحَّحَهَا يَقُولُ هُوَ عَاصٍ مِنْ وَجْهٍ مُتَقَرِّبٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ، إنَّمَا الِاسْتِحَالَةُ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَقَرِّبًا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ عَاصٍ بِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَ هَذِهِ لَا بِهَا، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ إذَا صَلَّى، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ ثَوَابٌ أَمْ لَا؟ فَفِي الْفَتَاوَى الَّتِي نَقَلَهَا الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ صَاحِبِ الشَّامِلِ رحمه الله قَالَ:"الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا بِالْعِرَاقِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ وَلَا ثَوَابَ فِيهَا". قَالَ الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ: وَرَأَيْتُ أَصْحَابَنَا بِخُرَاسَانَ اخْتَلَفُوا، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِهِ1 الْكَامِلِ: إنَّا إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ الثَّوَابُ، فَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى فِعْلِهِ عَاصِيًا بِمُقَامِهِ. قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ إذَا صَحَّحْنَاهَا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لعله يريد الشامل فإنه من أجود كتب أصحابنا ومن أصحها نقلا وأثبتها أدلة وكان أحد مراجعنافي تكملة هذا الكتاب (ط) .
فرع: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ.
إحْدَاهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا:"لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الصُّوفِ وَاللُّبُودِ وَالْبُسُطِ وَالطَّنَافِسِ وَجَمِيعِ الْأَمْتِعَةِ وَلَا يُكْرَهُ فِيهَا أَيْضًا"هَذَا مَذْهَبُنَا وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ"يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ"قَالَ: وَقَالَتْ الشِّيعَةُ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الصُّوفِ، وَتَجُوزُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَابِتًا مِنْ الْأَرْضِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله:"تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ الْحَائِضِ وَالثَّوْبِ الَّذِي تُجَامَعُ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ"قَالُوا: وَتَجُوزُ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَالْكُفَّارِ وَالْقَصَّابِينَ وَمُدْمِنِي الْخَمْرِ وَغَيْرِهِمْ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا لَكِنَّ غَيْرَهَا أَوْلَى ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ بَيَانُ خِلَافٍ ضَعِيفٍ فِي هَؤُلَاءِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَنَقَضَهَا وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ