ج / 3 ص -104- حَرَسِيٍّ فَقَالَ:"يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما:"أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ"لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} "رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: الْمُتَفَلِّجَةُ الَّتِي ، تَبْرُدُ مِنْ أَسْنَانِهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَتُحَسِّنُهَا وَهُوَ الْوَشْرُ ، وَالنَّامِصَةُ الَّتِي تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبِ وَتُرَقِّقُهُ لِيَصِيرَ حَسَنًا، وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي تَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا.
فرع: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَصْلِ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ طَائِفَةٍ جَوَازَهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْهَا بَلْ الصَّحِيحُ عَنْهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، قَالَ: وَالْوَصْلُ بِالصُّوفِ وَالْخِرَقِ كَالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَجَوَّزَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِغَيْرِ الشَّعْرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم زَجَرَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَأَمَّا رَبْطُ الشَّعْرِ بِخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَأَشَارَ الْقَاضِي إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَقْصُودِ الْوَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ.
فرع: ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ وَصْلَ الشَّعْرِ مِنْ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ لِلَعْنِ فَاعِلِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا طَهَارَةُ الثَّوْبِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ فَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} فَإِنْ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهَا بِهِ صَلَّى عُرْيَانًا وَلَا يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ. قَالَ الْبُوَيْطِيُّ وَقَدْ قِيلَ يُصَلِّي فِيهِ وَيُعِيدُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الْعُرْيِ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ، وَمَعَ النَّجَاسَةِ لَا يَسْقُطُ؛ [لِأَنَّهُ تَجِبُ إعَادَتُهَا] فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ صَلَاةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ إلَى صَلَاةٍ لَا يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ.
الشرح: طَهَارَةُ الثَّوْبِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَسْلِهِ فَطَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: يُصَلِّي عُرْيَانًا وَأَشْهُرُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَالثَّانِي: يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ. فَإِنْ قُلْنَا: يُصَلِّي عُرْيَانًا فَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: يُصَلِّي فِيهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَوْضِعًا نَجِسًا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الْإِبَانَةِ وَغَيْرِهِ أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ أَنْ يَنْزِعَهُ فَيَبْسُطَهُ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا إعَادَةَ وَالثَّانِي: يُصَلِّي فِيهِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيُعِيدُ، وَوَجْهُهُمَا مَا سَبَقَ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ، إنَّمَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ وَالثَّانِي: يُصَلِّي عَارِيًّا؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِسُتْرَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا إعَادَةَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَلْزَمُهُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجَسِ وَالْحَرِيرِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِلسَّتْرِ عَنْ الْأَعْيُنِ، وَكَذَا فِي الْخَلْوَةِ إذَا أَوْجَبْنَا السَّتْرَ فِيهَا.