ج / 3 ص -83- السِّجِسْتَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَغَازِي، وَقَالَ فِيهِ: تَخْتَالُ فِي أَذَانِكَ بَدَلَ تَبْغِي.
وَجَاءَ فِي التَّرَسُّلِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم"قَالَ لِبِلَالٍ: إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا أَنْ نُرَسِّلَ الْأَذَانَ وَنَحْدُرَ الْإِقَامَةَ"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَقَوْلُهُ: يَتَرَسَّلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ التَّرْتِيلُ وَالتَّأَنِّي وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْمُتَرَسِّلُ الْمُتَمَهِّلُ فِي تَأْذِينِهِ ، وَيُبَيِّنُ كَلَامَهُ تَبْيِينًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ، قَالَ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: جَاءَ عَلَى رِسْلِهِ وَفَعَلَ كَذَا عَلَى رِسْلِهِ أَيْ: عَلَى هَيْئَتِهِ غَيْرُ مُسْتَعْجِلٍ وَلَا مُتْعِبِ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ يُدْرِجُ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَضَمُّ الرَّاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَيُقَالُ دَرَّجْتُهُ أَيْضًا بِالتَّشْدِيدِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ. قَالَ: أَفْصَحُهُنَّ أَدْرَجْتُهُ، وَكَذَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: الْإِدْرَاجُ أَشْبَهُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصْحَابُنَا: إدْرَاجُ الْإِقَامَةِ هُوَ أَنْ يَصِلَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَلَا يَتَرَسَّلُ تَرَسُّلَهُ فِي الْأَذَانِ، وَأَصْلُ الْإِدْرَاجِ وَالدَّرَجِ الطَّيُّ.
وَقَوْلُهُ: الْبَغْيُ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْبَغْيُ أَنْ يَكُونَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ يَحْكِي كَلَامَ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَفَيْهِقِينَ قَالَ: وَالْبَغْيُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْكِبْرُ، وَالْبَغْيُ الضَّلَالُ، وَالْبَغْيُ الْفَسَادُ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الْبَغْيُ تَفْخِيمُ الْكَلَامِ وَالتَّشَادُقُ فِيهِ، قَالَ: وَيُكْرَهُ تَلْحِينُ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِفْهَامِ وَلِأَنَّ السَّلَفَ تَجَافُوهُ، وَإِنَّمَا أُحْدِثَ بَعْدَهُمْ وَقَوْلُهُ:"أَنَّكَ تَبْغِي فِي أَذَانِكَ"يَجُوزُ فَتْحُ هَمْزَةِ أَنَّكَ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَحْسَنُ لِلتَّعْلِيلِ، وَقَوْلُهُ: تَبْغِي هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، كَذَا قَالَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ فِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَتْحُ الْمِيمِ وَإِسْكَانُ الْقَافِ وَكَسْرُ الدَّالِ، وَالثَّانِيَةُ: الْمُقَدَّسُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقُدْسِ وَهُوَ الطُّهْرُ وَيُقَالُ فِيهِ الْقُدْسُ وَالْقُدُسُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَضَمِّهَا وَإِيلْيَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فِي الْأَذَانِ إنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ"وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي جَمْعِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يُبَالِغُ بِحَيْثُ يَشُقُّ حَلْقَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَمِعَ أَبَا مَحْذُورَةَ قَدْ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ لَهُ:"أَمَا خَشِيتَ أَنْ يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ؟ فَقَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَسْمَعَ صَوْتِي"فَإِنْ أَسَرَّ بِالْأَذَانِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاتِهِ وَحْدَهُ لَمْ يَرْفَعْ الصَّوْتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو غَيْرَهُ فَلَا وَجْهَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْإِقَامَةِ دُونَ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحَاضِرِينَ.
الشرح: حَدِيثُ"يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَكَذَا ، وَفِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِلْبَيْهَقِيِّ"وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَ صَوْتَهُ"وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ"كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ"وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ"وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ"وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ