ج / 3 ص -78- لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ عَدْلًا فِي دِينِهِ ثِقَةً فِي مَعْرِفَتِهِ بِالْمَوَاقِيتِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا غَرَّ النَّاسَ بِأَذَانِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ مَنْ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْأَذَانَ فِيهِمْ أَوْ مِنْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إلَيْهِمْ لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ رضي الله عنه قَالَ:"جَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْأَذَانَ لَنَا"وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ وَالْقَضَاءُ فِي الْأَنْصَارِ وَالْأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ".
الشرح: قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمَوَاقِيتِ يَعْنِي يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمَوَاقِيتِ هَكَذَا صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَارِفًا بِالْمَوَاقِيتِ فَمُؤَوَّلٌ، وَيَعْنِي بِالِاشْتِرَاطِ فِيمَنْ يُوَلَّى وَيُرْتَبُ لِلْأَذَانِ، وَأَمَّا مَنْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ أَوْ يُؤَذِّنُ لِجَمَاعَةٍ مَرَّةً فَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَوَاقِيتِ بَلْ إذَا عَلِمَ دُخُولَ وَقْتِ الْأَذَانِ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ صَحَّ أَذَانُهُ لَهَا بِدَلِيلِ أَذَانِ الْأَعْمَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ مَنْ جُعِلَ الْأَذَانُ فِيهِمْ ثُمَّ مِنْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إلَيْهِمْ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَالْمَحَامِلِيُّ وَزَادَ الشَّافِعِيُّ مَنْ جَعَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ الْأَذَانَ فِيهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا مَرْفُوعًا قَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِصَوْتِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِيهِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ.
الشرح: هَذِهِ الْمَسَائِلُ حُكْمُهَا كَمَا ذُكِرَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَلَيْهَا كُلِّهَا، وَالصَّيِّتُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ هُوَ شَدِيدُ الصَّوْتِ وَرَفِيعُهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ، وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ"وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ: إذَا كَانَ مَعَ الْأَعْمَى بَصِيرٌ يُخْبِرُهُ بِالْوَقْتِ وَلَا يُؤَذِّنُ لَمْ يُكْرَهْ كَوْنُ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا، كَمَا لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُؤَذِّنُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا كَرِهْنَا انْفِرَادَ الْأَعْمَى وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ بِسُؤَالِ غَيْرِهِ وَبِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى النَّاسِ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ بِاشْتِغَالِهِ بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"حَقٌّ وَسُنَّةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ [كُمْ] أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ"وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ انْصَرَفَ لِأَجْلِ الطَّهَارَةِ فَيَجِيءُ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا فَيَنْصَرِفُ ،