ج / 3 ص -46- مُبْهَمَةٌ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهَا الْجُمُعَةُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْوُسْطَى جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. فَهَذِهِ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ مِنْهَا مَذْهَبَانِ الْعَصْرُ وَالصُّبْحُ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله أَنَّهَا الصُّبْحُ وَصَحَّتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ، فَصَارَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ، قَالَ: وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كَمَا وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. هَذَا كَلَامُ صَاحِبُ الْحَاوِي.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ أَنَّهَا الْعَصْرُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ:"شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْعَصْرَ تُسَمَّى وُسْطَى وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ، وَاحْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} مِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُخَالِفُونَ، وَيَقُولُونَ لَا نُسَلِّمُ إثْبَاتَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ هَذَا الْقُنُوتُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَكُمْ، بَلْ الْقُنُوتُ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ، كَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةُ: إنَّ هَذَا أَشْهَرُ مَعَانِيهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِنْكَارِ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ، وَعَلَى الدُّعَاءِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ"وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْقُنُوتَ الْعِبَادَةُ وَالدُّعَاءُ لِلّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْقِيَامِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: فَتَظْهَرُ الدَّلَالَةُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوُسْطَى الصُّبْحُ لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ يُدْعَى فِيهِ قَائِمًا غَيْرُهَا، وَالله أَعْلَمُ.
وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ وَلَيْسَتْ الْعَصْرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِمَنْ يَكْتُبُ لَهَا مُصْحَفًا:"اُكْتُبْ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ"قَالَتْ عَائِشَةُ"سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ فَعَطْفُ الْعَصْرِ عَلَى الْوُسْطَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ الله وَآخِرُهُ عَفْوُ الله"وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُجَوِّزْ التَّأْخِيرَ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، فَسُمِحَ لَهُمْ بِالتَّأْخِيرِ، فَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنَّهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْجَمِيعِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ أَدْرَكَ مَنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ"وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هُوَ مُؤَدٍّ لِمَا صَلَّى فِي الْوَقْتِ قَاضٍ لِمَا صَلَّى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ اعْتِبَارًا1 بِمَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي: (ومن أصحابنا من قال: يكون مؤديا لما صلى في الوقت قاضيا لما صلى بعد خروج الوقت اعتبارا بما ادركه من الوقت وبما صلى بعد خروج الوقت) .