ج / 3 ص -38- وُجُوبِهَا. فَإِنْ قَالُوا: لَوْ وَجَبَتْ لَعَصَى بِتَأْخِيرِهَا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ. قُلْنَا هَذِهِ صِفَةٌ لِلْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ كَالْكَفَّارَةِ وَالله أَعْلَمُ"."
فرع: إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَرَادَ تَأْخِيرَهَا إلَى أَثْنَاءِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا؟ بِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي اللُّمَعِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ صَاحِبُ الْحَاوِي، أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ الْعَزْمُ وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا بِلَا عَزْمٍ وَصَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ أَثِمَ وَكَانَتْ أَدَاءً، وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ. وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى بِوُجُوبِ الْعَزْمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْعَزْمِ فَإِيجَابُهُ زِيَادَةٌ عَلَى مُقْتَضَى الصِّيغَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ غَفَلَ عَنْ الْعَزْمِ وَمَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، قُلْنَا: قَوْلُكُمْ: لَوْ غَفَلَ عَنْ الْعَزْمِ لَا يَكُونُ عَاصِيًا صَحِيحٌ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَافِلَ لَا يُكَلَّفُ ، أَمَّا إذَا لَمْ يَغْفُلْ عَنْ الْأَمْرِ فَلَا يُتْرَكُ الْعَزْمُ إلَّا بِضِدِّهِ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ مُطْلَقًا، وَهَذَا حَرَامٌ وَمَا لَا خَلَاصَ مِنْ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُ اللِّسَانِ، لَكِنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ، وَالله أَعْلَمُ.
فرع: إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ الْعَزْمُ أَوْ أَوْجَبْنَاهُ وَعَزَمَ ثُمَّ مَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ فَجْأَةً فَهَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ الصَّحِيحُ لَا يَمُوتُ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَمَنْ قَالَ: يَمُوتُ عَاصِيًا فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ السَّلَفِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤَثِّمُونَ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ الزَّوَالِ وَلَا يَنْسُبُونَهُ إلَى تَقْصِيرٍ لَا سِيَّمَا إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَنَهَضَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ وَقَدْ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ ، وَمَتَى فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ كَيْفَ يُمْكِنُ تَعْصِيَتُهُ ؟. فَإِنْ قِيلَ: جَازَ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ ، قُلْنَا: مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عَنْهُ، فَإِذَا سَأَلْنَا وَقَالَ: الْعَاقِبَةُ مَسْتُورَةٌ عَنِّي وَعَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ ، وَأُرِيدُ تَأْخِيرَهُ إلَى الْغَدِ، فَهَلْ لِي تَأْخِيرُهُ مَعَ جَهْلِ الْعَاقِبَةِ؟ أَمْ أَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَعْصِي قَالَ: فَلِمَ آثَمُ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَيْسَ إلَيَّ؟ وَإِنْ قُلْنَا: يَعْصِي ، خَالَفْنَا الْإِجْمَاعَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنْ كَانَ فِي عِلْمِ الله أَنَّكَ تَمُوتُ قَبْلَ الْغَدِ عَصَيْتَ ، وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّكَ تَحْيَا فَلَكَ التَّأْخِيرُ قَالَ: فَمَا يُدْرِينِي مَا فِي عِلْمِ الله تَعَالَى فَمَا قَوْلُكُمْ فِي حَقِّ الْجَاهِلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَزْمِ بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ.
فَإِنْ قِيلَ إذَا جَوَّزْتُمْ تَأْخِيرَهُ أَبَدًا وَلَا يَعْصِي إذَا مَاتَ فَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِهِ ، قُلْنَا: تَحَقَّقَ الْوُجُوبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ التَّأْخِيرُ إلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَزْمُ عَلَى التَّأْخِيرِ إلَّا إلَى مُدَّةٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إلَيْهَا، كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ سَاعَةٍ إلَى سَاعَةٍ وَتَأْخِيرِ الصَّوْمِ مِنْ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى التَّفَرُّغِ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَتَأْخِيرِ الْحَجِّ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ فَلَوْ عَزَمَ الْمَرِيضُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْهَلَاكِ عَلَى التَّأْخِيرِ شَهْرًا ، أَوْ الشَّيْخُ الضَّعِيفُ عَلَى التَّأَخُّرِ سِنِينَ وَغَالِبُ ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ عَصَى بِهَذَا التَّأْخِيرِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَوُفِّقَ لِلْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِظَنِّهِ كَالْمُعَزَّرِ إذَا ضُرِبَ ضَرْبًا يُهْلِكُ ، أَوْ قَطَعَ سِلْعَتَهُ ، وَغَالِبُ ظَنِّهِ الْهَلَاكُ بِهَا يَأْثَمُ وَإِنْ سَلِمَ ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ ، لِأَنَّ الْبَقَاءَ إلَى سَنَةٍ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ. وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ فِي الشَّابِّ الصَّحِيحِ دُونَ الشَّيْخِ