ج / 3 ص -32- الْفَارِسِيِّ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَا أَرَاهَا إلَّا فَائِتَةً ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ وَافَقَ الْإِصْطَخْرِيَّ لِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ ، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ فَاتَ دُونَ وَقْتِ الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: إنَّ الْمَعْذُورِينَ إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِتَكْبِيرَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لَهَا لَمَا لَزِمَتْهُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ: إذَا كَمَلَ الصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَائِضُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْعِشَاءُ بِلَا خِلَافٍ ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْإِصْطَخْرِيُّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ. فَهَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ، وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّارِحِينَ لِلتَّنْبِيهِ فَنَقَلَ عَنْهُ مُوَافَقَةَ الْإِصْطَخْرِيِّ وَهَذِهِ غَبَاوَةٌ مِنْ هَذَا الشَّارِحِ ، وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ لِطُولِهِ وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِي حَامِدٍ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ، وَإِنْكَارُهُ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ وَالله أَعْلَمُ. فرع: لِلْعِشَاءِ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ ، فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ وَعُذْرٍ ، فَالْفَضِيلَةُ أَوَّلُ الْوَقْتِ ، وَالِاخْتِيَارُ بَعْدَهُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ، وَالْجَوَازُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَالْعُذْرُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ.
فرع: قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ نَوَاحٍ تَقْصُرُ لَيَالِيهِمْ فَلَا يَغِيبُ الشَّفَقُ عِنْدَهُمْ. فَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ الزَّمَانِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرٌ يَغِيبُ الشَّفَقُ فِي مِثْلِهِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ.
فرع: قِيلَ: إنَّ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ نِصْفُ سُدُسِ اللَّيْلِ، فَإِنْ طَالَ اللَّيْلُ طَالَ نِصْفُ السُّدُسِ، وَإِنْ قَصُرَ قَصُرَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ عَتَمَةً لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، هَكَذَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا"يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى عَتَمَةً"وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ:"أُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ عَتَمَةً"وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ:"يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى عَتَمَةً"فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِتَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ وَرَدَ فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ بِالْمَغْرِبِ ، فَلَوْ قِيلَ: الْعِشَاءُ لَتَوَهَّمَ إرَادَةَ الْمَغْرِبِ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِشَاءِ، وَأَمَّا الْعَتَمَةُ فَصَرِيحَةٌ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَاحْتُمِلَ إطْلَاقُ الْعَتَمَةِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَالْعِشَاءُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ بِالْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم"أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ"وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ اسْتِعْمَالُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ مِنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَقَدْ أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. وَقَالَ: الصَّوَابُ الْعِشَاءُ فَقَطْ ، وَهَذَا غَلَطٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي"تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ".