ج / 3 ص -27- مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَيَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ هَذَا ، فَعَلَى هَذَا لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ ، وَالثَّانِي: وَقْتُ جَوَازٍ وَهُوَ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ ، وَالثَّالِثُ: وَقْتُ عُذْرٍ وَهُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ فِي حَقِّ مَنْ جَمَعَ لِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ وَوَقْتَ الِاخْتِيَارِ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ هُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَقِّقُونَ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ عَلَى هَذَا يَكُونُ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِمَّا بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتَ اخْتِيَارٍ. وَالنِّصْفُ الثَّانِي: وَقْتَ جَوَازٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ.
أَمَّا إذَا قُلْنَا: لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَهُوَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَمَضَى قَدْرُ طَهَارَةٍ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَأَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَخَمْسُ رَكَعَاتٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْخُرَاسَانِيُّونَ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِلْفَرْضِ فَقَطْ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَادَّعَى الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَفِي أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِالصَّلَاةِ بَلْ بِالْعُرْفِ فَمَتَى أَخَّرَ عَنْ الْمُتَعَارَفِ فِي الْعَادَةِ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَهَذَا قَوِيٌّ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ اعْتِبَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا رَكْعَتَانِ لِلسُّنَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ السُّنَّةَ تَكُونُ مَقْضِيَّةً، فَإِذَا مَضَى هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ انْقَضَى الْوَقْتُ وَمَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْغُرُوبِ كَالطَّهَارَةِ، وَالسَّتْرِ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَهُوَ الْوُضُوءُ وَالسَّتْرُ دُونَ التَّيَمُّمِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا. حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ شَاذٌّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي كُلٍّ ذَلِكَ الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ بِلَا إطَالَةٍ وَلَا اسْتِعْجَالٍ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ. قَالَ الْقَفَّالُ: تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْأُمُورُ مُتَوَسِّطَةً لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً لَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ فِعْلُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ خَفِيفُ الْحَرَكَاتِ وَالْجِسْمِ وَالْقِرَاءَةِ، وَبَعْضُهُمْ عَكْسُهُ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ: وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا أَكْلُ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَةَ الْجُوعِ، هَكَذَا قَالُوا.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ الْجَوَازُ فِي لُقَمٍ فَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ"فَإِنْ أَخَّرَ الدُّخُولَ فِيهَا عَنْ هَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ أَثِمَ وَصَارَتْ قَضَاءً، وَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ بَلْ دَخَلَ فِيهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَمُدَّهَا وَيَسْتَدِيمَهَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: هَذِهِ الْأَوْجُهُ حَكَاهَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَدِلَّتَهَا أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَتَمَادَى إلَيْهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ: يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَغْرِبِ الْأَعْرَافَ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قَرَأَ بِالْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَهَذَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ: قَرَأَ بِبَعْضِهَا وَالله أَعْلَمُ.
فرع: أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَلَى أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ قَوْلَهُمْ: هَلْ لِلْمَغْرِبِ وَقْتٌ؟ أَمْ