ج / 2 ص -134- فيها في العادة، فمن ذلك أنهم مأمورون باجتناب الضحك واللغط والحديث في حال القراءة إلا كلاما يسيرا للضرورة، وباجتناب العبث باليد وغيرها، والنظر إلى ما يلهي أو يبدد الذهن. وأقبح من ذلك النظر إلى من يحرم النظر إليه كالأمرد وغيره، سواء كان بشهوة أم بغيرها ويجب على الحاضر في ذلك المجلس أن ينكر ما يراه من هذه المنكرات وغيرها، فينكر بيده ثم لسانه على حسب الإمكان، فإن لم يستطع فليكرهه بقلبه. فرع: جاءت في الصحيح أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة وأحاديث تقتضي أن الإسرار والإخفاء أفضل. قال العلماء: وطريق الجمع بينها أن الإخفاء أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف الرياء، وكذا من يتأذى المصلون وغيرهم بجهره فالإخفاء أفضل في حقه، فإن لم يخف الرياء ولم يتأذ أحد بجهره فالجهر أفضل؛ لأن العمل فيه أكثر؛ ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط، وقد أوضحت جملة من الأحاديث والآثار الواردة من ذلك في التبيان.
فرع: يسن تحسين الصوت بالقراءة، للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه، وسنبسطه إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف في كتاب الشهادات 1 ويسن طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها؛ وهذا متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين. وفي"الصحيحين""أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود، اقرأ علي القرآن فإني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه من سورة النساء حتى بلغ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] والآثار فيه كثيرة مشهورة، وقد مات جماعة من الصالحين بقراءة من سألوه القراءة، واستحب العلماء افتتاح مجلس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن"
فرع: ينبغي للقارئ أن يبتدئ من أول السورة أو من أول الكلام المرتبط ويقف على آخرها، أو آخر الكلام المرتبط بعضه ببعض، ولا يتقيد بالأجزاء والأعشار. فإنها قد تكون في وسط كلام مرتبط كالجزء في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ} [النساء: من الآية24] ، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [يوسف: من الآية53] ، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:75] ، {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ} [الأحزاب: من الآية31] ، {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ} [يّس: من الآية28] ، {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} [فصلت: من الآية47] ، {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} [الحجر: من الآية57] فكل هذا وشبهه لا يبتدأ به، ولا يوقف عليه، ولا يغتر بكثرة الفاعلين له، ولهذا قال العلماء: قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قدرها من طويلة لأنه قد يخفى الارتباط
فرع: تكره القراءة في أحوال، منها حال الركوع والسجود والتشهد وغيرها من أحوال الصلاة سوى القيام. وتكره في حال القعود على الخلاء، وفي حال النعاس وحال الخطبة لمن يسمعها. ويكره للمأموم قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة جهرية إذا سمع قراءة الإمام ولا يكره في الطواف، وتقدم بيان القراءة في الحمام والطريق وقراءة من فمه نجس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شاء الله أن نتولى بسطه على منهجه الذي سنه وذلك في الجزء التاسع عشر"ط".