ج / 2 ص -89- ولم يذكر الخطابي وغيره - أنه كلام بسط وتأنيس للمخاطبين، لئلا يستحيوا عن مسألته فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم، لا سيما ما يتعلق بالعورات ونحوها، فقال: أنا كالوالد فلا تستحيوا مني في شيء من ذلك كما لا تستحيون من الوالد. والثاني: معناه يلزمني تأديبكم وتعليمكم أمر دينكم، كما يلزم الوالد ذلك، ويجوز أن يكون المراد كالوالد في الأمرين جميعا. وفي ثالث أيضا وهو الحرص على مصلحتكم والشفقة عليكم والله أعلم.
وأما حكم المسألة: فقال الأصحاب: يكره الاستنجاء باليمين كراهة تنزيه ولا يحرم، هكذا صرح به الجمهور، قال الشيخ أبو حامد في"تعليقه": يستحب أن يستنجي بيساره، وهو منهي عن الاستنجاء بيمينه نهي تنزيه لا تحريم. وقال إمام الحرمين: الاستنجاء باليمين مكروه غير محرم، قال: وحرمه أهل الظاهر وقال ابن الصباغ وآخرون: الاستنجاء باليسار أدب، وليس اليمين معصية، وقال القاضي أبو الطيب وآخرون: يستحب أن يستنجي بيساره، وقال المحاملي والفوراني والغزالي في"البسيط"، والبغوي والروياني وصاحب"العدة"وآخرون: يكره باليمين وقال أبو محمد الجويني في"الفروق"والبغوي في شرح السنة: النهي عن اليمين نهي تأديب، وعبارات الجمهور ممن لم أذكرهم نحو هذه العبارات. وقال الخطابي: النهي عن الاستنجاء باليمين عند أكثر العلماء نهي تأديب وتنزيه، وقال بعض أهل الظاهر: لا يجزئه.
وأما قول المصنف لا يجوز الاستنجاء باليمين، فكذلك قاله سليم الرازي في الكفاية والمتولي والشيخ نصر في كتبه"التهذيب"والانتخاب والكافي، وكذا رأيته في موضع من تعليق أبي حامد، وظاهر هذه العبارة تحريم الاستنجاء باليمين، ولكن الذي عليه جمهور الأصحاب أنه مكروه كراهة تنزيه كما ذكرنا، ويؤيده قول الشافعي في"مختصر المزني": النهي عن اليمين أدب، ويمكن أن يحمل كلام المصنف وموافقيه على أن قولهم: لا يجوز، معناه ليس مباحا مستوي الطرفين في الفعل والترك، بل هو مكروه راجح الترك، وهذا أحد المذهبين المشهورين في أصول الفقه، وقد استعمل المصنف لا يجوز في مواضع ليست محرمة وهي تتخرج على هذا الجواب.
فإن قيل: هذا غير معتاد في كتب المذهب، قلنا: هو موجود فيها وإن كان قليلا، ولا يمتنع استعماله على اصطلاح الأصول، وقد حكي أن المصنف ضرب في نسخة أصله بالمهذب على لفظة:"يجوز أن"وبقي قوله لا يستنجي باليمين، وهذا يصحح ما قلناه والله أعلم.
قال أصحابنا: ويستحب أن لا يستعين بيمينه في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر، وقول المصنف: إن كان الحجر صغيرا غمز عقبه عليه أو أمسكه بين إبهامي رجليه، كذا قاله أصحابنا، لئلا يستنجي بيمينه ولا يمس ذكره بيمينه، فإن لم يمكنه ذلك واحتاج إلى الاستعانة باليمين فالصحيح الذي قاله الجمهور أنه يأخذ الحجر بيمينه، والذكر بيساره، ويحرك اليسار دون اليمين، فإن حرك اليمين أو حركهما كان مستنجيا باليمين مرتكبا لكراهة التنزيه. ومن أصحابنا من قال: يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويحرك اليسار، لئلا يستنجي باليمين، حكاه صاحب"الحاوي"وغيره وهو غلط، فإنه منهي عن مس الذكر بيمينه.