ج / 1 ص -248- صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكُلُّهُمْ وَصَفُوهُ مُرَتَّبًا مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا وَكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِفَاتِهِ فِي مَرَّةٍ وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ صِفَةٌ غَيْرُ مُرَتَّبَةٍ وَفِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَلَوْ جَازَ تَرْكُ التَّرْتِيبِ لَتَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا تَرَكَ التَّكْرَارَ فِي أَوْقَاتٍ.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ التَّرْتِيبِ صَرِيحًا بِحَرْفِ ثُمَّ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ1 وَاحْتَجُّوا مِنْ الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله: عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ إلَخْ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَوَجَبَ تَرْتِيبُهَا كَالصَّلَاةِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْغُسْلِ فَإِنْ قَالُوا: الْوُضُوءُ لَيْسَ عِبَادَةً فَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ عِبَادَةً فِي أَوَّلِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا دَلِيلٌ لَنَا كَمَا سَبَقَ. وَعَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُعْرَفُ، وَعَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّ جَمِيعَ بَدَنِ الْجُنُبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهُ كَالْوَجْهِ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهَا مُتَغَايِرَةٌ مُتَفَاصِلَةٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ لَوْ جَرَى الْمَاءُ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ فِي الْوُضُوءِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ مِنْ الْوَجْهِ إلَى الْيَدِ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الْأَعْضَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَأَطْلَقَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ وَلَوْ وَجَبَ تَرْتِيبُهُمَا لَقَالَ: وَأَيْمَانَكُمْ والثاني: أَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ لِانْطِلَاقِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَجِبْ فِيهِمَا تَرْتِيبٌ كَالْخَدَّيْنِ بِخِلَافِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْمُحْدِثُ إذَا انْغَمَسَ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، فَهُوَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَرْتَفِعُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ كَمَا سَنُوَضِّحُ الْمسألة:قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ مَنَعْنَا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالتَّرْتِيبُ يَحْصُلُ فِي لَحَظَاتٍ لَطِيفَةٍ، وَلِأَنَّ الْغُسْلَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَكْبَرَ فَالْأَصْغَرَ أَوْلَى.
وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ الْأَدِلَّةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ثُمَّ قَالَ الْوُضُوءُ يَغْلِبُ فِيهِ التَّعَبُّدُ وَالِاتِّبَاعُ لِأَنَّا إذَا أَوْجَبْنَا التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَاةِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْخُشُوعُ وَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ تَنْكِيسُ الْوُضُوءِ وَلَا التَّخْيِيرُ فِيهِ وَلَا"التنبيه"عَلَى جَوَازِهِ، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ فِعْلِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ إلَّا التَّرْتِيبُ كَمَا لَمْ يُنْقَلْ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ إلَّا التَّرْتِيبُ وَطَرِيقُهُمَا الِاتِّبَاعُ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ بِ"الإجماع"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ غَسَلَ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ أَعْضَاءَهُ الْأَرْبَعَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا غَسْلُ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ".
الشرح: هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 احتج البيهقي للترتيب بالحديث الصحيح ابدأوا بما بدأ الله به ، وإذا وجب البداءة بالوجه تعين الترتيب كما سبق ، وهذا توجيه حسن فإن الخبر وإن خرج على سبب خاص فإن الصحيح أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ا هـ أذرعي