ج / 10 ص -234- باب بيع العرايا
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا الْعَرَايَا وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى الْأَرْضِ خَرْصًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْفُقَرَاءِ، فَيَخْرُصُ مَا عَلَى النَّخْلِ مِنْ الرُّطَبِ وَمَا يَجِيءُ مِنْهُ مِنْ التَّمْرِ إذَا جَفَّ، ثُمَّ يَبِيعُ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ تَمْرًا وَيُسَلِّمُهُ [إلَيْهِ] قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَالَ:"قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقَدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا"."
الشرح: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الْعَرَايَا ثَابِتٌ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا، وَأَلْفَاظٌ أُخَرُ غَيْرُ ذَلِكَوأما: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ فَلَمْ أَرَهَا إلَّا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِيهَا فِيمَا ذَكَرَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَالَ:"سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ عَرَايَاهُمْ هَذِهِ الَّتِي يُحِلُّونَهَا فَقَالَ: فُلَانٌ وَأَصْحَابُهُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الرُّطَبَ يَحْضُرُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ ذَهَبٌ وَلَا وَرِقٌ يَشْتَرُونَ بِهَا وَعِنْدَهُمْ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ سَنَتِهِمْ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"أَنْ يَشْتَرُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْأُمِّ:"قِيلَ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَوْ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ"
مُرَادَهُ بِالْبَلَلِ الرُّطُوبَةُ الْأَصْلِيَّةُ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْبَيْعَ مُعَبَّأٌ1 بِالْجَفَافِ، وَأَمَّا الْبَلَلُ الطَّارِئُ فَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالْمَنْعِ وَإِنْ جَفَّتْ كَمَا عَرَفْتَ وَقَالَ الْإِمَامُ: لَوْ بُلَّتْ الْحِنْطَةُ فَنُحِّيَ مِنْهَا قِشْرُهَا بِالدَّقِّ وَالتَّهْرِيشِ وَهِيَ الْكِشْكُ قَالَ الْأَئِمَّةُ: هِيَ الدَّقِيقُ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ عَلَى الْقُرْبِ وَلَوْ بُلَّتْ ثُمَّ جَفَّتْ وَلَمْ تُهَرَّشُ فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي جَفَافِهَا عَلَى تَفَاوُتٍ يُفْضِي إلَى الْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ، قِيلَ: وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْوَجْهُ الْمَنْعُ فِي الْجَاوَرْشِ إذَا نُحِتَتْ مِنْهُ الْقِشْرَةُ. انْتَهَى كَلَامُ الْإِمَامِ.
فرع: إذَا انْتَهَى يُبْسُ التَّمْرِ وَكَانَ بَعْضُهُ أَشَدَّ انْتِفَاخًا مِنْ بَعْضٍ لَمْ يَضُرَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ بَيْعِ الْآجَالِ مِنْ الْأُمِّ.
فَائِدَةٌ: الْحَدِيثُ هُوَ الْجَدِيدُ مِنْ الْأَشْيَاءِ. قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ.
فرع: قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا مُنِعَ بِمُجَرَّدِ الْبَلِّ بَيْعُ بَعْضِ الْحِنْطَةِ بِبَعْضٍ فَاَلَّتِي نُحِتَتْ قِشْرَتُهَا بَعْدَ الْبَلِّ بِالتَّهْرِيشِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُبَاعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي الْجَاوَرْشِ عِنْدِي احْتِمَالٌ إذَا نُحِتَتْ قِشْرَتُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى حُكْمِ بَيْعِ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ مَا فِيهِ نَدَاوَةٌ، وَأَمَّا إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ فَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ قَبْلَ آخِرِ الْبَابِ بِفَصْلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في ش و ق ولعله (مهيأ) بالجفاف أو معبأ أي مغطى والله أعلم (ط) .