ج / 10 ص -232- فرع: بَيْعُ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالْيَابِسِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ كَبَيْعِ الطَّرِيِّ بِالطَّرِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي التَّعْلِيقِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي التَّعْلِيقِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ خِلَافَ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ رَطْبًا بِرَطْبٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَطْبًا وَالْآخَرُ يَابِسًا. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ الْمُتَقَدِّمُ. وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ جَرَيَانُ خِلَافِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي نَظِيرِهِ، وَمُؤَيِّدٌ - إنْ صَحَّ - لِلِاحْتِمَالِ الَّذِي أَبْدَاهُ الْإِمَامُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ ابْنِ سُرَيْجٍ عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَالثَّانِي ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
فرع: بَيْعُ الشَّحْمِ بِالشَّحْمِ وَالْأَلْيَةِ بِالْأَلْيَةِ كَبَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ بَاعَ مِنْهُ مَا فِيهِ نَدَاوَةٌ يَسِيرَةٌ بِمِثْلِهِ كَالتَّمْرِ الْحَدِيثِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَظْهَرُ فِي الْكَيْلِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوزَنُ كَاللَّحْمِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ".
الشرح: مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ الْكَلَامُ عَلَى مَا يُمْنَعُ بَيْعُ رَطْبِهِ بِرُطَبِهِ أَوْ بِيَابِسِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ إذَا وَصَلَ إلَى حَالَةِ الْيُبْسِ هَلْ يُشْتَرَطُ تَنَاهِي الْيُبْسِ أَوْ يُكْتَفَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ؟ وَمَا الضَّابِطُ فِيهِ؟ وَقَدْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ بَيْعِ الْآجَالِ: وَلَا خَيْرَ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ حَتَّى يَكُونَ يَنْتَهِي يُبْسُهُ وَإِنْ انْتَهَى يُبْسُهُ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُ أَشَدُّ انْتِفَاخًا مِنْ بَعْضٍ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا انْتَهَى يُبْسُهُ كَيْلًا بِكَيْلٍ. وَقَالَ: فَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْتِهَاءِ الْيُبْسِ، وَقَالَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْوَزْنُ وَالْكَيْلُ فِيمَا بِيعَ يَابِسًا؟ قِيلَ: يَجْتَمِعَانِ وَيَخْتَلِفَانِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عَرَفْنَا حَيْثُ يَجْتَمِعَانِ فَأَيْنَ يَخْتَلِفَانِ؟ قِيلَ: التَّمْرُ إذَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْيُبْسِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنَاهُ يُبْسَهُ فَبِيعَ كَيْلًا بِكَيْلٍ لَمْ يَنْقُصْ فِي الْكَيْلِ شَيْئًا، وَإِذَا تُرِكَ زَمَانًا نَقَصَ فِي الْوَزْنِ لِأَنَّ الْجُفُوفَ كُلَّمَا زَادَ فِيهِ كَانَ أَنْقَصَ لِوَزْنِهِ حَتَّى يَتَنَاهَى قَالَ: وَمَا بِيعَ وَزْنًا فَإِنَّمَا قُلْتُ فِي اللَّحْمِ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَتَنَاهَى جُفُوفُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ مُتَفَاضِلَ الْوَزْنِ أَوْ مَجْهُولًا. وَإِنْ كَانَ بِبِلَادٍ نَدِيَّةٍ فَكَانَ إذَا يَبِسَ ثُمَّ أَصَابَهُ النَّدَى رَطِبَ حَتَّى يَثْقُلَ لَمْ يُبَعْ وَزْنًا بِوَزْنٍ رَطْبًا مِنْ نَدًى حَتَّى يَعُودَ إلَى الْجُفُوفِ، وَحَالُهُ إذَا حَدَثَ النَّدَى فَزَادَ فِي وَزْنِهِ كَحَالِهِ الْأُولَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يَتَنَاهَى جُفُوفُهُ كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي الِابْتِدَاءِ ا هـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله هَذَا، وَفَرْقًا آخَرَ لِلْأَصْحَابِ أَنَّ التَّمْرَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ رُطُوبَةٌ فَهُوَ إذَا تُرِكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَادُّخِرَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ. وَاللَّحْمُ إذَا كَانَ فِيهِ نَدَاوَةٌ فَادُّخِرَ عَلَى حَالَتِهِ عَفِنَ وَفَسَدَ، وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ انْتِهَاءَ جَفَافِ اللَّحْمِ بِأَنْ يُمَلَّحَ وَيَسِيلَ مَاؤُهُ فَذَلِكَ انْتِهَاءُ جَفَافِهِ وَلَا يَحْصُلُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ كَمَالُ