ج / 10 ص -194- ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمِكْيَالِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ وَلَوْ يَسِيرًا، لَكِنَّ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ الَّذِي لَا يَظْهَرُ عَلَى الْمِكْيَالِ فِي مَحِلِّ الْمُسَامَحَةِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ امْتَنَعَ فَهَذِهِ جِهَةُ الْفَصْلِ وَحَاصِلُهُ: الْحُكْمُ فِي الْكَيْلِ بِالِامْتِنَاعِ إلَّا فِيمَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمِكْيَالِ فِي الْمَكِيلِ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا اخْتَلَطَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ مِثْلَ قَلِيلِ التُّرَابِ الدَّقِيقِ وَمَا دُقَّ مِنْ تِبْنِهِ، فَأَمَّا الْوَزْنُ فَلَا خَيْرَ فِي مِثْلِ هَذَا. وَقَالَ فِي الْأُمِّ: وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ خَالَطَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يُقْدَرُ عَلَى تَمْيِيزِهِ مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ. بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا خَالِصًا مِمَّا يُخَالِطُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُخَالِطُ الْمَكِيلَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ مِثْلَ قَلِيلِ التُّرَابِ وَمَا دُقَّ مِنْ تِبْنِهِ فَذَلِكَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ فَأَمَّا الْوَزْنُ فَلَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِيهِ ا هـ.
وَالْعِبَارَةُ الْجَامِعَةُ لِذَلِكَ أَنَّ الرِّبَوِيَّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ وَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الْمِكْيَالِ، وَهِيَ عِبَارَةُ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ فِي الْكَافِي، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْضِيدِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ فِي أَمْثِلَةِ الْخَالِصِ بِالْمَشُوبِ، عَلَيْهَا1 وَاحِدَةٌ الْأُولَى:2 الْحِنْطَةُ الْخَالِصَةُ بِالْحِنْطَةِ الَّتِي فِيهَا شَعِيرٌ أَوْ زُوَانٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَا خَيْرَ فِي مُدِّ حِنْطَةٍ بِحِنْطَةٍ مُتَفَاضِلَةٍ وَمَجْهُولَةٍ وَقَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْمَأْكُولِ مِنْ صِنْفَيْنِ شِيبَ أَحَلَّاهُمَا بِالْآخَرِ: وَلَا خَيْرَ فِي مُدِّ حِنْطَةٍ فِيهَا قَصْلٌ أَوْ فِيهَا حِجَارَةٌ أَوْ فِيهَا زُوَانٌ بِمُدِّ حِنْطَةٍ لَا شَيْءَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ. أَوْ فِيهَا تِبْنٌ لِأَنَّهَا الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلَةً وَمَجْهُولَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَا خَيْرَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَا خَيْرَ يَعْنِي لَا يَجُوزُ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَكُنَّا نَتَوَهَّمُ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَهُ حَتَّى وَجَدْنَاهَا لِمَالِكٍ رحمه الله فِي مَسَائِلِ الرِّبَا فَتَوَهَّمْنَاهَا لَهُ حَتَّى وَجَدْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَهَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَعِبَارَةُ الْأُمِّ أَصَحُّ مِنْ عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَخَلَّ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى امْتِنَاعِ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَا إذَا كَانَ الْقَصْلُ كَثِيرًا، يَعْنِي بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمِكْيَالِ أَمَّا مَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُتَبَيَّنُ فِي الْمِكْيَالِ قَالَ: فَيَجُوزُ. وَكَذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَطَرَدَا ذَلِكَ فِي الشَّعِيرِ الْمُخَالِطِ لِلْحِنْطَةِ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يُرْشِدُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ. وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ بِمِثْلِهَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ كَثِيرًا، وَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ مَا يُوهِمُ الْمُخَالَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَصْلِ وَالزُّوَانِ: قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مُخَالَفَةً، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْقَلِيلُ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا لَيْسَ مَقْصُودًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في ش و ق ولعل الصواب"علتها واحدة".
2 يعني المسألة الأولى.