ج / 10 ص -175- يَسْتَفِيدُهُ فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِيءِ، وَلَا بَاذِلَ الثَّمَنِ يَبْذُلُهُ عَلَى التَّسَاوِي، بَلْ هَذَا الْقَصْدُ ضَرُورِيٌّ فِي نَفْسِ الْمُعَاقَدِ. وَمُطْلَقُ كَلَامِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا مَا يُقْصَدُ فِي عَادَةِ التَّعَامُلِ. فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِمُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ بِزِيَادَةٍ. انْتَهَى.
ثُمَّ أَلْزَمَهُمْ بِمَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: التَّفَاضُلُ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ، وَالِانْقِسَامُ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْمِلْكِ، أَوْ اخْتِلَافَ الْعَيْبِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقَ أَوْ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ الْأَرْبَعَةِ أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكُلَّ بِالْكُلِّ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَفَاضُلٌ قلنا: كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ، وَأَنْتُمْ تُصَحِّحُونَ الْعَقْدَ مَعَ أَنْ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ وَالتَّفَاضُلِ مَوْجُودٌ. انْتَهَى. وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا فَرَضَهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ صَحِيحٍ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْفَرْضَ، وَلِأَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَيْضًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ فَيَصِحُّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَلْزَمَ أَصْحَابُنَا الْخَصْمَ بِالتَّوْزِيعِ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ نَسِيئَةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ آخَرَ بِأَكْثَرَ نَقْدًا فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَ، وَاعْتَذَرُوا عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِأَنَّ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وُجُوهُ الصِّحَّةِ كَثِيرَةٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ أَلْفًا وَمَا فَوْقَهُ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمُ الْعَقْدِ الثَّانِي، وَإِذَا كَثُرَتْ الْوُجُوهُ صَارَ مَا قَابَلَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْمَانِ مَجْهُولًا فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، وَأَبْطَلَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِعَشَرَةٍ وَأَحْدَثَ فِيهَا عِمَارَةً وَأَكْرَاهَا بِأَحَدَ عَشَرَةَ أُجْرَةً فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ دِرْهَمًا، وَمَا زَادَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمٌ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَمْ يَفْعَلُوا، بَلْ جَعَلُوا قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ وَالزِّيَادَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ، وَصَحَّحُوهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ تَكْثُرُ وُجُوهُ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ شَعِيرٍ وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ، وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ، وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَجْعَلَ مُدَّيْ الْحِنْطَةِ بِمُدَّيْ شَعِيرٍ، وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ وَمُدَّيْ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ، وَكَذَا مُدُّ حِنْطَةٍ وَمُدُّ شَعِيرٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ مُدَّيْ شَعِيرٍ. فَقَدْ كَثُرَتْ وُجُوهُ الصِّحَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزْتُمْ وَأَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا أَيْضًا إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَتَصَرَّفَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مُقَابَلَةٍ لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِيهَا. بِأَنْ يَجْعَلَ الدِّرْهَمَ بِالْمُدِّ فَقَدْ اتَّضَحَ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ نَظَرًا وَأَلْزَمَا اتِّجَاهَ الْقَوْلِ بِالتَّوْزِيعِ. قَالَ الْفَارِقِيُّ: وَهَذَا أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْذُلُ مِنْ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِيءِ مَا يَبْذُلُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ. عَلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي فِي وَضْعِهِ تَوْزِيعًا مُفَصَّلًا، بَلْ مُقْتَضَاهُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ أَوْ مُقَابَلَةُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِمَّا فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ بِمِثْلِهِ مِمَّا فِي الشِّقِّ الْآخَرِ، بِأَنْ يُقَالَ: ثُلُثُ الْمُدِّ وَثُلُثُ الدِّرْهَمِ يُقَابِلُ ثُلُثَ الْمُدَّيْنِ، يَعْنِي إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَكْلِيفِ تَوْزِيعٍ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِضَرُورَةِ الشُّفْعَةِ.