ج / 10 ص -76- فَإِنْ قُلْتَ: التَّرْجِيحُ بِاللَّفْظِ فِيمَا إذَا جَرَى الْعَقْدُ بِلَفْظِ الصَّرْفِ فَيَصِحُّ أَوْ بِلَفْظِ السَّلَمِ فَيَبْطُلُ لِمَا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مِنْ التَّضَادِّ. أَمَّا إذْ جَرَى بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ السَّلَمِ وَالصَّرْفِ، فَيَبْقَى تَعَارُضُ الْمَعْنَيَيْنِ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ ضَرُورَةَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ قُلْت: بَلْ لَفْظُ الْبَيْعِ وَإِضَافَتُهُ إلَى هَذَا الْمَبِيعِ الْخَاصِّ مُرَجِّحٌ، لِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ بِقَوْلِهِ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ إلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا الْعُلَمَاءُ سَمَّوْا هَذَا النَّوْعَ بِاسْمِ الصَّرْفِ لِمَا سَتَعْرِفُهُ وَهَذَا الْبَحْثُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْقِسْمِ، بَلْ يَجْرِي فِيمَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ مَوْصُوفًا وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ أَوْ دَيْنٌ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَالسَّادِسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْإِمَامُ رحمه الله اسْتَشْعَرَ هَذَا الْبَحْثَ فَقَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ: وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ السَّلَمِ، فَإِنْ وُضِعَ السَّلَمُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ فَيُحْسَبُ، وَالصَّرْفُ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى وَصْفٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ التَّقَابُضِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رحمه الله إنَّمَا هُوَ ذِكْرُ حُكْمِ السَّلَمِ وَالصَّرْفِ وَحُكْمُ الْعَقْدِ زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ جُزْءًا مِنْهَا، وَفِيمَا قَدَّمْتُهُ كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَمْ يَجْزِمْ الْأَصْحَابُ بِجَوَازِ بَيْعِ الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ، بِالطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ كَمَا جَزَمُوا فِي الصَّرْفِ، بَلْ حَكَوْا فِي الطَّعَامِ وَجْهَيْنِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّ الْأَشْبَهَ بِكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّ وَجْهَ الْجَوَازِ أَظْهَرُ.
فرع: هَلْ يُسَوَّغُ الِاسْتِبْدَالُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَوْ لَا؟ اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ عَنْ الثَّمَنِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ يَجُوزُ عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ وَأَمَّا فِي الصَّرْفِ فَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُبْدِلَ عَنْهُ لَمْ يَحْصُلْ مَدْلُولُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"عَيْنًا بِعَيْنٍ"لَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا فِي الْمَجْلِسِ، فَوَجَبَ الْبُطْلَانُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَنِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ أَنَّ الثَّمَنَ فِي الصَّرْفِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِأَنَّهُ بِعَرَضِيَّةِ الْبُطْلَانِ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ قَبْضِهِ، بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ، وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَدْ قُبِضَ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ لَمْ يُقْبَضْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلِانْفِسَاخِ مِنْ جِهَتِهِ، بِأَنْ يَتْلَفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَنْفَسِخَ الْعَقْدُ بِهِ. وَالثَّمَنُ فِي الصَّرْفِ قَابِلٌ لِلِانْفِسَاخِ الْآتِي مِنْ جِهَتِهِ بِعَدَمِ قَبْضِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَلْزَمُ عَلَى الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ اللُّزُومُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي اللُّزُومِ قَبْلَ التَّقَابُضِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمَبِيعِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُطْرَدَ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ لِمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ مِنْ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَجْلِسِ وَقَدْ خَرَّجَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الرِّفْعَةِ جَوَازَ الِاسْتِبْدَالِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ نَقْدَيْنِ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ مَاذَا؟ وَحُكِمَ بِأَنَّا إذَا قُلْنَا: الثَّمَنُ النَّقْدُ وَلَا مَبِيعَ هُنَا، فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الِاسْتِبْدَالِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ سَهْوٌ لَا يَنْبَغِي التَّعْرِيجُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: الْإِبْرَاءُ عَنْ هَذَا الْعِوَضِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ فِي الصَّرْفِ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا بَطَلَ الصَّرْفُ. لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
فرع: جَرَيَانُ الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا إشْكَالَ فِيهِ كَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ اتِّفَاقِ