ج / 1 ص -206- الْكَلَامِ فِي الْعَارِضَيْنِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى::، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْبَشَرَةَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ، وَالْكَثَّةُ وَالْكَثِيفَةُ بِمَعْنًى، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ، احْتِرَازٌ مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَقَوْلُهُ: دُونَهُ حَائِلٌ، احْتِرَازٌ مِنْ الثُّقْبِ فِي مَوْضِعِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِهِ، وَقَوْلُهُ:"مُعْتَادٌ"احْتِرَازٌ مِنْ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ لِامْرَأَةٍ.
الثالثة: اللِّحْيَةُ الْكَثِيفَةُ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا وَلَا الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَوْلًا وَوَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْبَشَرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: غَلِطَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَظَنَّ الْمُزَنِيّ ذَكَرَ هَذَا عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله - قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَكَى مَذْهَبَ نَفْسِهِ وَانْفَرَدَ هُوَ وَأَبُو ثَوْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُمَا فِيهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ.
قُلْت: قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَيْضًا وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُهُ:"فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي"وَبِالْقِيَاسِ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَعَلَى الشَّارِبِ وَالْحَاجِبِ.
وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقِيَاسِ وَأَجَابُوا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِأَنَّهَا أَغْلَظُ وَلِهَذَا وَجَبَ غَسْلُ كُلِّ الْبَدَنِ وَلَمْ يَجُزْ مَسْحُ الْخُفِّ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ غَسْلُ الْبَشَرَةِ فِيهِ مَعَ الْكَثَافَةِ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ، وَأَمَّا الشَّارِبُ وَالْحَاجِبُ فَكَثَافَتُهُ نَادِرَةٌ وَلَا يَشُقُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ. وَإِنْ كَانَتْ اللِّحْيَةُ خَفِيفَةً وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا وَالْبَشَرَةِ تَحْتَهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا خَفِيفًا وَبَعْضُهَا كَثِيفًا فَلِكُلِّ بَعْضٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ لَوْ كَانَ مُتَمَخِّضًا فَلِلْكَثِيفِ حُكْمُ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ وَلِلْخَفِيفِ حُكْمُ اللِّحْيَةِ الْخَفِيفَةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطُّرُقِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ كَانَ الْكَثِيفُ مُتَفَرِّقًا بَيْنَ الْخَفِيفِ لَا يَمْتَازُ وَلَا يَنْفَرِدُ عَنْهُ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّ لِلْجَمِيعِ حُكْمَ الْخَفِيفِ مُطْلَقًا، وَحَكَى الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ نَصًّا عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ مَنْ كَانَ جَانِبَا لِحْيَتِهِ خَفِيفَيْنِ وَبَيْنَهُمَا كَثِيفٌ وَجَبَ غَسْلُ الْبَشَرَةِ كُلِّهَا كَالْحَاجِبِ، وَهَذَا نَصٌّ غَرِيبٌ جِدًّا وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي"طبقات الفقهاء"فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ الْقَصَّابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي ضَبْطِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ وَالْخَفِيفَةِ أَوْجُهٌ أحدها: مَا عَدَّهُ النَّاسُ خَفِيفًا فَخَفِيفٌ، وَمَا عَدُّوهُ كَثِيفًا فَهُوَ كَثِيفٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَهُوَ غَرِيبٌ. والثاني: مَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ فَهُوَ خَفِيفٌ. وَمَا لَا فَكَثِيفٌ، حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ.وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا سَتَرَ الْبَشَرَةَ عَنْ النَّاظِرِ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ فَهُوَ كَثِيفٌ وَمَا لَا فَخَفِيفٌ.