ج / 1 ص -205- وَ"الوجيز"أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ، وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَ الْجُمْهُورُ كَوْنَهُ مِنْ الرَّأْسِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِّ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَى الذَّقَنِ وَمُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَإِلَّا فَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، وَالذَّقَنُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ وَجَمْعُهُ أَذْقَانٌ وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَاللَّحْيَانِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَأَحَدُهُمَا لَحْيٌ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَحَكَى صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ كَسْرَ اللَّامِ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَهُمَا الْفَكَّانِ وَعَلَيْهِمَا مَنَابِتُ الْأَسْنَانِ السُّفْلَى، وَالْأُذُنُ بِضَمِّ الذَّالِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا تَخْفِيفًا، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ عَلَى فُعُلٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ يَجُوزُ إسْكَانُ ثَانِيهِ كَعُنُقٍ وَكُتُبٍ وَرُسُلٍ، وَفِي الشَّعَرِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهُ مِنْ الْوَجْهِ مَعْنَاهُ نَزَّلُوهُ مَنْزِلَةَ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، وَاَلَّذِينَ نَزَّلُوهُ هُمْ"الإشراف"وَالنِّسَاءُ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ مِنْ الْوَجْهِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ عَلَى الْأَمْرَدِ غَسْلُهُ دُونَ الْمُلْتَحِي، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ مَالِكٍ، وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ كَالْخَدِّ. وَاحْتَجَّ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ:"ضَرَبَ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَلْقَمَ إبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ صَاحِبِ الْمَغَازِي وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَلَمْ يُذْكَرْ سَمَاعُهُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا عُرِفَ، فَلِهَذَا لَمْ أَعْتَمِدْهُ وَإِنَّمَا اعْتَمَدْتُ الْمَعْنَى وَذَكَرْتُ الْحَدِيثَ تَقْوِيَةً وَلِأُبَيِّنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُصَنِّف رحمه الله تعالى:"فَإِنْ كَانَ مُلْتَحِيًا نَظَرْتُ فَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ خَفِيفَةً لَا تَسْتُرُ الْبَشَرَةَ. وَجَبَ غَسْلُ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ لِلْآيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً تَسْتُرُ الْبَشَرَةَ وَجَبَ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الشَّعْرِ، لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً وَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ"وَبِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَ الشَّعْرِ مَعَ كَثَافَةِ اللِّحْيَةِ، وَلِأَنَّهُ بَاطِنٌ دُونَهُ حَائِلٌ مُعْتَادٌ فَهُوَ كَدَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ لِحْيَتَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ"فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا خَفِيفًا وَبَعْضُهَا كَثِيفًا غَسَلَ مَا تَحْتَ الْخَفِيفِ وَأَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى الْكَثِيفِ".
الشرح:فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ: إحداها: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَقَوْلُهُ: وَبِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَصِلُ الْمَاءُ مَعَ كَثَافَةِ اللِّحْيَةِ، مَعْنَاهُ أَنَّ لِحْيَتَهُ الْكَرِيمَةَ كَانَتْ كَثِيفَةً، وَهَذَا صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ"فَصَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ: رُوِيَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
الثانية: اللِّحْيَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَجَمْعُهَا لِحًى بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ أَفْصَحُ وَهِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الذَّقَنِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ، لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ بِسَبَبِ