فهرس الكتاب

الصفحة 3358 من 4102

ج / 10 ص -52- خَاصَّةً، كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي"إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ"فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْإِثْبَاتِ مُسْتَمِرٌّ لَمْ يُنْسَخْ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ فَيَكُونُ دَالًّا عَلَى تَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِي الْجِنْسَيْنِ، وَفِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، لِأَنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِهِ فِي الْجِنْسَيْنِ، فَإِذَا حُرِّمَ التَّفَاضُلُ فَالنَّسَاءُ أَوْلَى وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَلَا تَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا، فَفِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ"وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ"وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَنْعِ الْأَجَلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، بَلْ عُمُومُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَذْكُورِ، سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا أَوْ جِنْسَيْنِ. وَقَدْ أُخِذَ هَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"هَا وَهَا"إمَّا لِأَنَّ اللَّفْظَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَإِمَّا لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّقَابُضَ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُلُولُ غَالِبًا. وَأَمَّا فَرْضُ أَجَلٍ يَسِيرٍ يَنْقَضِي فِي الْمَجْلِسِ فَنَادِرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَمَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ أَخْذَهُ مِنْ هَذَا. وَقَالَ هُوَ وَالْغَزَالِيُّ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: عَيْنًا بِعَيْنٍ. إذْ الْعَيْنُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَجَلُ وَلَا يُمْكِنُهُمَا الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ. لِأَنَّهُمَا وَجَمِيعَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ التَّعْيِينَ بَلْ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَرِدَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لَكِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنْ غَلَبَ إطْلَاقُ الدَّيْنِيَّةِ فِي الْأَجَلِ وَالْعَيْنِيَّةِ فِي مُقَابِلِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا. وَفِي تَسْلِيمِ هَذِهِ الْغَلَبَةِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحُكْمُ الثَّالِثُ

تَحْرِيمُ التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَيُسَمَّى ذَلِكَ رِبَا الْيَدِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ وَالْجِنْسَانِ، أَمَّا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: جَوَّزَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ التَّفَرُّقَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ وَالْإِجْمَاعِ. وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ وَلَوْ بَلَغَهُ لَمَا خَالَفَهُ. وَأَمَّا الطَّعَامُ فَقَدْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَقَالَ: إنَّهُ إذَا بَاعَ الطَّعَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَافْتَرَقَا مِنْ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ تَقَابَضَا بَعْدُ، لَمْ يَضُرَّ الْعَقْدَ، إلَّا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّرْفِ.

وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ التَّقَابُضُ عِنْدَهُ مِنْ قَاعِدَةِ الرِّبَا فِي شَيْءٍ، لَا فِي الصَّرْفِ وَلَا فِي الطَّعَامِ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ فِي الصَّرْفِ لِأَجْلِ التَّعْيِينِ، فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَصَارَ دَيْنًا وَلَكَانَ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَغَيْرِهَا، وَيَجْعَلُونَ قَوْلَهُ: يَدًا بِيَدٍ لِمَنْعِ النَّسَاءِ، وَقَوْلَهُ: عَيْنًا بِعَيْنٍ تَأْكِيدًا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُ أَصْحَابُنَا، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ يُتْرَكُ بِهِ الظَّاهِرُ إذَا تَأَيَّدَ بِدَلِيلٍ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالْقِيَاسُ.

أما الْكِتَابُ فَهُوَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي الْآيَةِ هُوَ الرِّبَا، وَالرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ، وَذَلِكَ إمَّا فِي الْمِقْدَارِ، وَإِمَّا فِي الْمِيعَادِ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ النَّسَاءُ أَوْ الْجَوْدَةُ، أَمَّا فِي الْجَوْدَةِ فَقَدْ أَسْقَطَهَا الشَّرْعُ حَيْثُ قَالَ: جَيِّدُهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت