فهرس الكتاب

الصفحة 3348 من 4102

ج / 10 ص -42- مِنْ ذَهَبٍ وَخَزٍّ وَغَيْرِهِ بِدِينَارَيْنِ، ظَنًّا مِنْهُمْ جَوَازَهُ لِلِاحْتِيَاطِ، حَتَّى يُبَيِّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَرَامٌ حَتَّى تَمَيَّزَ، وَهَا أَنَا أَتَكَلَّمُ عَلَى حَدِيثِ الْحُمَيْدِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

أما حَدِيثُ الْحُمَيْدِيِّ فَادُّعِيَ فِيهِ أَمْرَانِ أحدهما: النَّسْخُ كَمَا قَالَ رَاوِيهِ الْحُمَيْدِيُّ، وَنَاهِيكَ بِهِ عِلْمًا وَاطِّلَاعًا لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا مَنْسُوخٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَقَالَ عَدْلٌ: قَدْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، يُقْبَلُ. فَلَوْ قَالَ: هُوَ نَجَسٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَ يُقْبَلُ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سُلَيْمٌ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ، خِلَافًا لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ مُطْلَقًا وَابْنُ الْخَطِيبِ نَقَلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ النَّاسِخُ وَجَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ قَوْلَهُ: نُسِخَ كَذَا بِكَذَا فِي مَعْنَى ذِكْرِهِ تَقَدُّمَ التَّارِيخِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْ صَحَابِيٍّ، كَذَلِكَ فَرَضَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ الْخَطِيبِ الْمَسْأَلَةَ.

وَأَطْلَقَ الْقُرْطُبِيُّ الْفَرْضَ فِي الرَّاوِي، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ سَائِلٍ سَأَلَ فِي الْعِبَارَةِ وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنْ ثَبَتَ خِلَافٌ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ كَانَ قَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِلَّا فَلَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ تَقَدُّمُ تَارِيخِ الْإِبَاحَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَتَأَخُّرُ التَّحْرِيمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ ظَهَرَ مُسْتَنَدُ الْحُمَيْدِيِّ رضي الله عنه وَصَحَّ النَّسْخُ. وَالْمَاوَرْدِيُّ جَزَمَ بِالنَّسْخِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدٌ قَالَ: لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا. وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ إذَا سَلِمَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ تَكُونَ أَحَادِيثُ التَّحْرِيمِ نَاسِخَةً لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ، أَمَّا أَنَّ الْآيَةَ تَكُونُ نَاسِخَةً لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَمْرَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ الْجَوَازَ والثاني: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُبِيحَةَ خَاصَّةٌ بِالنَّقْدِ وَالْآيَةُ عَامَّةٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ تَقَدُّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا هُوَ بَيِّنٌ فَحِينَئِذٍ أَقُولُ: إمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَا. فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ وَصَارَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عَلَى السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ وَحَمَلْنَاهَا عَلَى الْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ إمَّا عَامَّةٌ فِيهَا وَإِمَّا مُجْمَلَةٌ، فَإِنْ كَانَ نُزُولُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الْمُبِيحَةِ وَالْمُحَرِّمَةِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ الْمَنْسُوخَةِ وَالنَّاسِخَةِ أَوْ النَّاسِخَةِ فَقَطْ، مُبَيِّنَةً أَوْ مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنْ كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْمُبِيحَةِ وَالْمُحَرِّمَةِ، وَهُوَ مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ عَائِشَةَ رضي الله عنها لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَدَّدَ تَحْرِيمَ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ تَحْرِيمِهَا.

فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَأَنَّ نُزُولَ آيَةِ الرِّبَا بَعْدَ الْأَحَادِيثِ الْمُبِيحَةِ وَقَبْلَ الْمُحَرِّمَةِ فَالْمُبِيحَةُ مُبَيِّنَةٌ أَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت