فهرس الكتاب

الصفحة 3343 من 4102

ج / 10 ص -37- الطَّيِّبِ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ لِلْمُصَنِّفِ رحمه الله: وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْخَطِيبِ وَأَتْبَاعُهُ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الذَّخِيرَةِ: وَقَدْ غَلَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُطْلِقُ أَوْ يُعَمِّمُ الْحُكْمَ فِي الْإِجْمَاعِ الْقَوْلِيِّ وَالسُّكُوتِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّبْصِرَةِ تَرْجِيحَهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْصِلُ وَيَخُصُّ ذَلِكَ بِالْقَوْلِيِّ، وَأَمَّا السُّكُوتِيُّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ، وَاخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي اللُّمَعِ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ مَقْطُوعًا بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ انْقِرَاضًا، أَوْ يَتَّفِقُوا عَلَى حُكْمٍ وَيُسْنِدُوهُ إلَى ظَنٍّ فَلَا يَنْبَرِمُ مَا لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ.

إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ فَهَلْ يَجُوزُ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ؟ قِيلَ: إنَّهُ مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّهُ يُنَافِي مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. نُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى الصَّيْرَفِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَمَالَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَدَاوُد وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى امْتِنَاعِهِ، لَكِنْ لِمُدْرَكٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَسْتَحِيلُ سَمْعًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ وَإِذَا وَقَعَ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَهُوَ بَعِيدٌ وَقِيلَ: يَجُوزُ وَيَكُونُ حُجَّةً تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاتِّفَاقَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَصْرِ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ، وَإِجْمَاعٌ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ طَوَائِفُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ بِالِاخْتِلَافِ أَجْمَعُوا عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَمْنُوعٌ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ دَعْوَى هَذَيْنِ الْإِجْمَاعَيْنِ بَعِيدَةٌ لِمَا قَدَّمَتْهُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَأَيْضًا فَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَمِيعَ الصَّحَابَةِ صَحَّ رُجُوعُهُمْ، فَقَدْ لَحِقَ زَمَانَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ رُجُوعٌ وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: أَنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ الَّذِي نَشَأَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ إجْمَاعِهِمْ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُهُمْ بِدُونِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى الْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَأَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى الْقَوْلَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ.

والثاني: قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مَاتُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقٌ وَشُرَيْحٌ وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْأَسْوَدُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رضي الله عنهم وَسَعِيدٌ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْتُ مِنْ عِلْيَةِ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَعَصْرُ الصَّحَابَةِ وَعَصْرُ التَّابِعِينَ مُتَدَاخِلَانِ، فَإِنَّ عَصْرَ التَّابِعِينَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ قَبْلِ الْهِجْرَةِ، وَكُلُّ مَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَرَهُ بِالْمَدِينَةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى يَدَيْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت