فهرس الكتاب

الصفحة 3342 من 4102

ج / 10 ص -36- نَهَى عَنْهُ مَا كَانَ دَيْنًا، وَكَذَلِكَ كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْقِدُ فِي لُغَتِهَا، وَقَدْ دَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ النَّقْدَ لَيْسَ الرِّبَا الْمُتَعَارَفَ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ بِقَوْلِهِ"وَلَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ"الْحَدِيثَ فَسَمَّاهُ بَيْعًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] فَذَمَّ مَنْ قَالَ: إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، فَفِي تَسْمِيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الزِّيَادَةَ فِي الْأَصْنَافِ بَيْعًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّبَا فِي النَّسَاءِ لَا فِي غَيْرِهِ.

قلت: أَمَّا التَّعَارُضُ فَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَوَابَ عَنْهُ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَوْضَحِ شَيْءٍ يَكُونُ، وَكَوْنُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَرَدَتْ فِي تَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنْ الرِّبَا إنْ سَلِمَ اقْتِصَارُهَا عَلَيْهِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ غَيْرِهِ، وَالتَّعَلُّقُ بِكَوْنِ ذَلِكَ يُسَمَّى بَيْعًا لَا رِبًا تَعَلُّقٌ بِالْأَلْفَاظِ، مَعَ تَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ بِالنَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ وَإِثْبَاتِ الرِّبَا فِيهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ التَّعَلُّقَاتِ الضَّعِيفَةِ يَجِلُّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَنْ التَّعَلُّقِ بِهَا، وَلَوْ لَمْ أَرَهَا مَذْكُورَةً، وَلَكِنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْمُغَلِّسِ ذَكَرَهَا عَنْ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِي إجْمَاعَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ لِمَا رُوِيَ مِنْ رُجُوعِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِمَّنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، وَالْعَبْدَرِيُّ فِي الْكِفَايَةِ قَالَا:"رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ"فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعًا وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ: لَمْ أَعُدُّهُ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ رُجُوعِهِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ بِذَلِكَ، فَرَجَعَ عَنْهُ يَقِينًا كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِي رُجُوعِهِ كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَقِيَّتُهُمْ كَأُسَامَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالْبَرَاءِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ لَمْ أُثْبِتْ النَّقْلَ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُمْ رُجُوعٌ، فَإِنْ كَانُوا قَائِلِينَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعُوا فَقَدْ تَعَذَّرَ دَعْوَى هَذَا الْوَجْهِ إلَّا مَا ثَبَتَ [مِنْ] رُجُوعِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مُخَالِفٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِذَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ ثُمَّ اتَّفَقُوا وَرَجَعَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَى الْآخَرَ وَصَارُوا مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا أَوْ لَا؟

وَتَلْخِيصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَقَرَّ أَوْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ اسْتَقَرَّ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، ثُمَّ إجْمَاعُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى رَأْي أَبِي بَكْرٍ، فَهَذَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ قَدْ اسْتَقَرَّ وَبَرَدَ فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا، إنْ قُلْنَا الْعَصْرُ شَرْطٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَقَوْلِ ابْنِ فُورَكٍ وَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَنَسَبَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ إلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَرَجَّحَهُ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ الْأُصُولِيِّ، وَأَطْنَبَ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَذَهَبَ إلَيْهِ [مِنْ] 1 الْمَالِكِيَّةِ أَبُو تَمَامٍ الْبَصْرِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ، وَيَكُونُ كَوْنُهُ إجْمَاعًا مَوْقُوفًا أَيْضًا عَلَى انْقِرَاضِهِمْ.

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ وَالْأَشَاعِرَةُ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ما بين المعقوفين ليس في ش و ق (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت