فهرس الكتاب

الصفحة 3322 من 4102

ج / 10 ص -16- أَصْلًا. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَكُونُ الْمُعْتَبَرُ مَجْلِسُ الْعَقْدِ. فَإِذَا فَارَقَهُ بَطَلَ. قَالَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فُرُوعٌ: حَيْثُ اشْتِرَاطُنَا التَّقَابُضَ، فَسَوَاءٌ تَرَكَهُ نَاسِيًا أَمْ عَامِدًا فِي فَسَادِ الْبَيْعِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ، وَسَوَاءٌ عَلِمَا فَسَادَ الْعَقْدِ بِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ أَمْ جَهِلَا. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا أَوْ كُرْهًا نَقَلَهُ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ عَنْ الْإِيضَاحِ. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الِاسْتِقْصَاءِ.

وَلَعَلَّكَ أَنْ تَقُولَ قَدْ حَكَوْا خِلَافًا فِي انْقِطَاعِ الْخِيَارِ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ، فَجَعَلُوا الْإِكْرَاهَ هُنَاكَ عُذْرًا، فَهَلْ كَانَ هَاهُنَا عُذْرًا؟ وَكَيْفَ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ مَعَ بَقَاءِ الْخِيَارِ الدَّالِّ عَلَى بَقَاءِ الْمَجْلِسِ؟ وَالشَّرْطُ أَنْ يَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ لَا غَيْرُ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ كَلَا تَفَرُّقٍ.

فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ فِي ذَلِكَ كَالْعَمْدِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ كَالِاخْتِيَارِقلت: النِّسْيَانُ لَهُ صُورَتَانِ: أَنْ يَنْسَى الْعَقْدَ وَيُفَارِقَ الْمَجْلِسَ ثُمَّ يَتَذَكَّرَ. وَفِي هَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - رحمه الله: لَا شَكَّ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ وَأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَقْرِيبِ ذَلِكَ مِنْ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْحَالِفَ جَعَلَ الْيَمِينَ وَازِعَةً، وَالْيَمِينُ الْمَنْسِيَّةُ لَا تَزَعُ، وَالنَّاسِي إذَا فَارَقَ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حُكْمِ مُضَيِّعِ حَقِّ نَفْسِهِ بِالنِّسْيَانِ، وَقَصَدَ بِهَذَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ إذَا حُمِلَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه عَلَيْهَا لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ تَعَلَّقَ بِالتَّفَرُّقِ، وَالْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ اعْتِبَارَ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ، فَصَارَ وُجُودُ التَّفَرُّقِ كَعَدَمِهِ، وَالنِّسْيَانُ الْمَذْكُورُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّفَرُّقِ، بَلْ التَّفَرُّقُ مَقْصُودٌ وَالنِّسْيَانُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَقْدِ فَلَا جُرْمَ رُتِّبَ عَلَى التَّفَرُّقِ الْمَقْصُودِ اخْتِيَارُ أَثَرِهِ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ النِّسْيَانِ فَهِيَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ التَّفَرُّقُ غَيْرَ قَاصِدٍ لَهُ، بَلْ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا نِسْيَانًا نَظَرٌ، فَهَذَا إذَا وَقَعَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يَتَعَيَّنُ. وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي النَّاسِي: إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ: يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِالْمُفَارِقَةِ نَاسِيًا، لِأَنَّهُ لَا يَعْدَمُ سِوَى الْقَصْدِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْقَصْدِ إذْ هُوَ غَيْرُ شَرْطٍ. قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لَمْ يَرْضَ بِإِسْقَاطِهِ فَكَيْفَ يُسْقِطُهُ؟ وَيُحْتَمَلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى التَّفَرُّقِ وَتَرْكِ التَّخَايُرِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجَاهِلِ، آلَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْقَصْدَ فِي التَّفَرُّقِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَمْ لَا؟ فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اكْتَفَى بِصُورَةِ التَّفَرُّقِ، وَمَنْ اشْتَرَطَهُ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ الْجُنُونُ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ الْخِيَارُ إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ.

قلت: فَإِذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ وَعَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ الَّتِي نَقَلَهَا عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَقَوَّى فِيهِ حِينَئِذٍ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ. وَمَتَى حُمِلَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ صَاحِبُ ذَلِكَ الْوَجْهِ. وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّ التَّفَرُّقَ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ لَا يَقْطَعُ الْخِيَارَ، يَجِبُ أَنْ لَا يَبْطُلَ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت