ج / 10 ص -15- يُبَاحُ لَهُمَا التَّفَرُّقُ، وَأَمَّا بَعْدَ اللُّزُومِ فَلَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَّا التَّفَرُّقَقلت: بَعْدَ اللُّزُومِ لَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَى رَفْعِ الْعَقْدِ، وَارْتِفَاعُهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا كَتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا تَفَرَّقَا فَقَدْ فَعَلَا مَا لَيْسَ لَهُمَا فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وأما: جَزْمُهُمْ بِأَنَّهُ إذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا يَعْصِي لِقَطْعِهِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَعَلَى قَاعِدَتِهِمْ وَقَوْلِهِمْ أَنَّهُمَا إذَا تَفَرَّقَا رَاضِيَيْنِ لَا يَعْصِيَانِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَاصِّ مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ إذَا كَانَ التَّصَرُّفُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْجِزُ نَفْسَهُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ عَنْهُ، وَالزَّوْجُ يُطَلِّقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِ الصَّدَاقِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودًا لِلشَّرْعِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُفَارِقَهُ لِاسْتِلْزَامِهِ تَفْوِيتَ التَّقَابُضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ شَرْعًا تَحَرُّزًا عَنْ الرِّبَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا كُلُّهُ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَإِنْ فَرَّعْنَاهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَالْخِيَارُ بَاقٍ بِحَالِهِ فَإِنْ تَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ الْعَقْدُ وَاسْتَقَرَّ وَكَانَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَيَّرَا، كَذَلِكَ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا إشْكَالَ فِي التَّفْرِيعِ، فَإِنَّ التَّخَايُرَ مُلْحَقٌ بِالتَّفَرُّقِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَأْثَمَا بِهِ كَمَا يَأْثَمَانِ بِالتَّفَرُّقِ، وَالتَّخَايُرُ الْمُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ خِيَارُهُمَا كَالتَّفَرُّقِ، أَمَّا إذَا أَجَازَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى التَّفَرُّقِ، حَتَّى يَبْطُلَ بِهِ، فَإِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ بَاقٍ فَإِنْ أَجَازَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّقَابُضِ لَا إثْمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْحُكْمِ بِإِثْمِ السَّابِقِ بِالْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ نَظَرٌ وَهَذَا الَّذِي قُلْتُهُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ تَفَقُّهٌ لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهُ مَنْقُولًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْبَسِيطِ: وَإِنْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ، أَمَّا لَوْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا بِرِضَى الْآخَرِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ مَا لَوْ تَفَرَّقَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فرع: جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ فِي عُقُودِ الرِّبَا وَالصَّرْفِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّقَابُضُ وَبِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بِذَلِكَ أَوْ لُزُومِهِ، أَوْ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ. وَتَفَارِيعُ ذَلِكَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي السَّلَمِ، لَوْ أَجَزْتَ الْإِجَارَةَ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فِيهِ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَكَلَّمَ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: إذَا بَاعَ مَالَ وَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ. وَفَارَقَ مَجْلِسَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ إذَا فَارَقَ الْمَجْلِسَ يَلْزَمُ الْعَقْدُ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِاخْتِيَارِ اللُّزُومِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا. فَعَلَى هَذَا فِي الصَّرْفِ يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَبْطُلْ الْخِيَارُ بِاخْتِيَارِ اللُّزُومِ. قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ. وَلَنَا وَجْهٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي هَذَا الْعَقْدِ خِيَارُ مَجْلِسٍ