ج / 1 ص -199- الْأَحَادِيثِ، بَلْ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَأَنَّهُ صَحِيحٌ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ"فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ"فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ"وَفِي رِوَايَةٍ"تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فَأَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ تَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ"رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ فِي الْجَمْعِ."
وَأَمَّا الْفصل: فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ.
هَذَا بَيَانُ الْأَحَادِيثِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَجُمْهُورُهُمْ حَكَوْا فِي الْمسألة:قَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ: أحدهما: الْجَمْعُ أَفْضَلُ. والثاني: الْفصل: أَفْضَلُ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ طَرِيقًا آخَرَ وَهُوَ الْقَطْعُ بِتَفْضِيلِ الْفصل:، وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَنُصُوصَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَيَانُ الْجَوَازِ، وَهَذَا فَاسِدٌ كَمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ حَكَوْا قَوْلَيْنِ فَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا، فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"المجموع"وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَكَثِيرُونَ الْفصل:، وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْجَمْعَ، هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَالصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْفصل:فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ: أحدها: أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ إذَا عَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ ؟،. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفصل:أَنَّهُ تَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ ثُمَّ اسْتَنْشَقَ وَلَمْ يَخْلِطْهُمَا. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا جَوَابٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ هَذَا كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ:"دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَرَأَيْته يَفصل:بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ"وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَحَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ مِنْ حَمْلِ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْجَمْعِ كَثِيرَةٌ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرِوَايَةُ الْفصل: وَاحِدَةٌ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَهَذَا لَا يُنَاسَبُ بَيَانَ الْجَوَازِ فِي الْجَمْعِ، فَإِنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ يَكُونُ فِي مَرَّةٍ وَنَحْوِهَا وَيُدَاوِمُ عَلَى الْأَفْضَلِ، وَالْأَمْرُ هُنَا بِالْعَكْسِ، فَحُصِّلَ أَنَّ الصَّحِيحَ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، يَأْخُذُ غُرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثُمَّ يَأْخُذُ غُرْفَةً ثَانِيَةً يَفْعَلُ بِهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ ثَالِثَةً كَذَلِكَ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ قَوْلُ