ج / 9 ص -269- بَابٌ مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ مِنْ الشُّرُوطِ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: إذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ شَرْطًا - نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ شَرْطًا يَقْتَضِيه الْبَيْعُ كَالتَّسْلِيمِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا - لَمْ يُبْطِلْ الْعَقْدَ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ بَيَانٌ لِمَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ فَلَمْ يُبْطِلْهُ فَإِنْ شَرَطَ مَا لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، وَلَكِنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً كَالْخِيَارِ وَالْأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ لَمْ يُبْطِلْ الْعَقْدَ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِذَلِكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ فَلَمْ يُفْسِدْ الْعَقْدَ. فَإِنْ شَرَطَ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ لَمْ يُفْسِدْ الْعَقْدَ، لِأَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا، فَأَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَامْتَنَعَ مِنْ إعْتَاقِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يُجْبَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ إعْتَاقِهِ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ بَلْ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْعِوَضِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ لِلْبَائِعِ حَقًّا فَإِذَا لَمْ يَفِ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا فَامْتَنَعَ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الْعِتْقِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْآدَمِيِّ كَالْمَنْذُورِ والثاني: أَنَّهُ يَسْقُطُ لِأَنَّهُ حَقٌّ شَرَطَهُ الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ فَسَقَطَ بِإِسْقَاطِهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ.
وَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا الثَّمَنُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ أَكْثَرَ مِنْ الْعِتْقِ والثاني: يَأْخُذُ الثَّمَنَ وَمَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَيُقَوَّمُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْعِتْقِ ثُمَّ يُقَوَّمُ مَعَ شَرْطِ الْعِتْقِ وَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ، والثالث: أَنَّهُ يُفْسَخُ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الثَّمَنِ وَحْدَهُ وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَلْتَزِمْ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدُ.
الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَبَرِيرَةُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - وَهِيَ بَرِيرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ رضي الله عنها رَوَتْ حَدِيثًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ"احْتِرَازٌ مِمَّنْ نَذَرَ عِتْقًا عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ، ثُمَّ اخْتَارَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِالْإِطْعَامِ، وَمِمَّنْ وَعَدَ الْعَبْدَ أَنَّهُ يُعْتِقُهُ."
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الشَّرْطُ خَمْسَةُ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا: مَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِأَنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ الرُّجُوعِ بِالْعُهْدَةِ أَوْ انْتِفَاعِ الْمُشْتَرِي كَيْفَ شَاءَ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَيَكُونُ شَرْطُهُ تَوْكِيدًا وَبَيَانًا لِمُقْتَضَاهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ الْعَقْدِ لَكِنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْعَاقِدِ كَخِيَارِ الثَّلَاثِ وَالْأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ وَالشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَشَرْطِ كَوْنِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ خَيَّاطًا أَوْ كَاتِبًا وَنَحْوَهُ فَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ.