ج / 9 ص -266- جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِرْثِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى مُسْلِمٍ وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ السَّلْطَنَةِ وَالسَّبِيلِ لِلْكَافِرِ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: من الآية141] وَيُخَالِفُ الْإِرْثَ فَإِنَّهُ مِلْكٌ قَهْرِيٌّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَارِيَةِ إلَّا [مَعَ] 1حَمْلِهَا لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا"وَقَالَ عليه السلام:"مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ بَطَلَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ مُحَرَّمٌ فِي الْبَيْعِ، فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ، كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَحَمْلِهَا وَهَلْ يَجُوزُ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ إلَى الْبُلُوغِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أحدهما: لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ فِي الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ والثاني: يَجُوزُ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ حَضَانَتِهَا، فَجَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالْبَالِغِ.
الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ سَنُوضِحُهُمَا مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ فِي فَرْعٍ بَعْدَ بَيَانِ الْأَحْكَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِي الْفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَارِيَةِ وَالْبَقَرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحَيَوَانِ دُونَ حَمْلِهَا وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً بِفُرُوعِهَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِشَرْطِ أَنَّهُ حَامِلٌ.
المسألة الثانية: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ بِالْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي الْعِتْقِ بِلَا خِلَافٍ، وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ وَطَرْدَاهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَمْلِ، هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ وَالْمَذْهَبُ"الصِّحَّةُ وَالْجَوَازُ فِي صُورَتَيْ الْحَمْلِ وَالْوَلَدِ. وَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَجْهَانِ."
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ: لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَلَدَهَا الصَّغِيرَ، ثُمَّ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي الرَّهْنِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُذْكَرُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ. وَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ طَرِيقَانِ أحدهما: الْقَطْعُ بِبُطْلَانِهِ، لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ مُحَرَّمٌ. فَهُوَ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ والثاني: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في جميع النسخ بحذف مع (ط) .