فهرس الكتاب

الصفحة 3252 من 4102

ج / 9 ص -254- التَّفْتِيشُ وَرَعًا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الشِّرَاءِ مِنْ الْأَسْوَاقِ، وَكَانُوا لَا يَسْأَلُونَ فِي كُلِّ عَقْدٍ، وَإِنَّمَا نُقِلَ السُّؤَالُ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِرِيبَةٍ كَانَتْ.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ كَانَ فِي يَدِ نَاظِرِ الْأَوْقَافِ أَوْ الْوَصَايَا مَالَانِ، أَحَدُهُمَا لِمَوْصُوفَيْنِ بِصِفَةٍ، وَالْآخَرُ لِمَوْصُوفَيْنِ بِصِفَةٍ أُخْرَى، فَأَرَادَ إنْسَانٌ فِيهِ صِفَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّاظِرِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ ظَاهِرَةً يَعْرِفُهَا الْمُتَوَلِّي وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، جَازَ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ خَفِيَّةً أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُتَوَلِّي التَّسَاهُلُ، وَأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِخَلْطِ الْمَالَيْنِ، وَجَبَ السُّؤَالُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا عَلَامَةٌ وَلَا اسْتِصْحَابٌ يُعْتَمَدُ.

فرع: قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا مِنْ دُورِ الْبَلَدِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ دُورًا مَغْصُوبَةً لِأَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَاطٌ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ، وَالسُّؤَالُ هُنَا وَرَعٌ وَاحْتِيَاطٌ، وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ عَشْرُ دُورٍ فِيهَا وَاحِدَةٌ مَغْصُوبَةٌ، أَوْ وَقْفٌ وَلَا يَعْرِفُهَا وَجَبَ السُّؤَالُ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ. وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَدَارِسُ أَوْ رِبَاطَاتٌ، خُصِّصَ بَعْضُهَا بِالْمَنْسُوبِينَ إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْكُنَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ وَقْفِهَا حَتَّى يَسْأَلَ وَيَتَبَيَّنَ الصَّوَابَ.

فرع: قَالَ: حَيْثُ قُلْنَا: السُّؤَالُ وَرَعٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الطَّعَامِ وَالْمَالِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهُ فَلَا يَرْتَكِبُ إيذَاءَ مُسْلِمٍ لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ مَنْدُوبٍ قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا السُّؤَالَ إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ حَرَامًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا نُبَالِي بِغَيْظِهِ فَإِنَّ الظَّالِمَ يُؤْذِي بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، قَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ: لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ أَوْ صَدِيقٌ يَأْمَنُ غَيْظَهُ لَوْ سَأَلَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْأَلَهُ أَيْضًا لِلْوَرَعِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَسْتُورًا يُؤَدِّي إلَى الْبَغْضَاءِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا حَسَنٌ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَا فَائِدَةَ فِي سُؤَالِ مَنْ بَعْضُ مَالِهِ حَرَامٌ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي مَالِ الْإِنْسَانِ حَرَامٌ مُخْتَلَطٌ، فَأَرَدْتَ مُبَايَعَتَهُ أَوْ الْأَكْلَ مِنْ ضِيَافَتِهِ أَوْ هَدِيَّتَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَكْفِ سُؤَالُهُ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُ سُؤَالُ صَاحِبِ الْيَدِ إذَا كَانَ ثِقَةً غَيْرَ مُتَّهَمٍ، كَمُتَوَلِّي الْأَوْقَافِ1مِنْ أَيِّ جِهَةٍ هَذَا الْمَالُ؟ وَكَمَا سَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الَّذِي أَتَى بِهِ هَلْ هُوَ هَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْذِي الْمَسْئُولَ، وَلَا يُتَّهَمُ فِيهِ.

وَلَهُ سُؤَالُ خَادِمِهِ وَعَبْدِهِ الثِّقَةِ، وَمَتَى سَأَلَ فَأَخْبَرَهُ ثِقَةٌ اعْتَمَدَهُ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ وَعَلِمَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ جَازَ لَهُ قَبُولُهُ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ السُّؤَالِ ثِقَةُ النَّفْسِ، وَقَدْ تَحْصُلُ بِقَوْلِ الْفَاسِقِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ مَعْرُوفٌ بِالتَّثْبِيتِ جَازَ قَبُولُهُ، وَمَتَى وَجَبَ السُّؤَالُ فَتَعَارَضَ قَوْلُ عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ سَقَطَا وَيَجُوزُ أَنْ يُرَجِّحَ بِقَلْبِهِ أَحَدَهُمَا، وَبِكَثْرَةِ الْمُخْبَرَيْنِ وَبِمَعْرِفَتِهِمْ.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَوْ نُهِبَ مَتَاعٌ مَخْصُوصٌ فَصَادَفَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ شَيْئًا يُبَاعُ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَنْهُوبِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ مَنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ جَازَ شِرَاؤُهُ، وَكَانَ تَرْكُهُ وَرَعًا، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا بالأصل (ش) ولعل سقطا قد وقع تقدير (حيث يقال له) (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت